في خطوة تحمل دلالات استراتيجية وسياسية واضحة، أعلنت فرنسا، أمس الثلاثاء، تسليم قاعدة اتصالات عسكرية بمدينة روفيسك للسلطات السنغالية، وذلك ضمن عملية انسحاب تدريجي لقواتها من البلاد، تنفيذاً لطلب رسمي من الحكومة السنغالية يقضي بإغلاق جميع القواعد الفرنسية في البلاد بحلول عام 2025.
وتأتي هذه الخطوة في إطار سياسة جديدة انتهجها الرئيس السنغالي بشير ديوماي فاي منذ توليه السلطة في 2024، تقوم على إعادة صياغة العلاقات مع فرنسا – القوة الاستعمارية السابقة – وجعلها على قدم المساواة مع باقي الشركاء الدوليين.
نهاية عهد عسكري دام لعقود
وجاء في بيان صادر عن السفارة الفرنسية في السنغال أن مركز الاتصالات المُسلّم في روفيسك، والذي يقع على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة دكار، كان مسؤولاً منذ عام 1960 عن الاتصالات العسكرية الفرنسية في الساحل الجنوبي للمحيط الأطلسي.
ويمثل هذا المركز جزءًا من البنية التحتية العسكرية التي ظلت فرنسا تحتفظ بها في السنغال منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، في وقت كانت فيه دكار توصف بأنها إحدى الحلفاء الأكثر ثباتاً لباريس في غرب أفريقيا.
رؤية جديدة للسيادة الوطنية
الرئيس بشير فاي أعلن بوضوح، نهاية العام الماضي، أن بلاده تسعى إلى تعزيز سيادتها الوطنية واستقلالها الأمني والعسكري، من خلال تقليص الاعتماد على التواجد العسكري الأجنبي، وإعادة هيكلة العلاقات الدولية للسنغال وفق أولويات المصالح الوطنية.
وفي هذا السياق، ستقوم فرنسا بتفكيك وتسليم باقي منشآتها العسكرية، بينما سيتم تسريح جميع الموظفين السنغاليين العاملين لدى القوات الفرنسية اعتبارًا من 1 يوليوز الجاري، في إطار خطة إنهاء الحضور الفرنسي العسكري على أراضي السنغال بشكل نهائي.
تحول في علاقات باريس بغرب أفريقيا
يمثل انسحاب فرنسا من السنغال امتداداً لتغيرات متسارعة تشهدها منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث فقدت باريس نفوذها العسكري بشكل كبير في كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، نتيجة التوترات السياسية وتصاعد الخطاب السيادي المناهض للوجود الأجنبي.
ويشير محللون إلى أن هذا التحول يُجسد انكماشاً واضحاً للدور الفرنسي التقليدي في أفريقيا الفرنكوفونية، وفتح الباب أمام فاعلين دوليين آخرين، من قبيل روسيا وتركيا والصين، لتعزيز حضورهم في المنطقة.

