الرئيسيةاخبار وطنيةمن الإقصاء إلى التتويج العلمي… الدكتور عباس الأصيلي يفضح عبث الإدارة وينتصر للمعرفة
اخبار وطنية

من الإقصاء إلى التتويج العلمي… الدكتور عباس الأصيلي يفضح عبث الإدارة وينتصر للمعرفة

في زمن يتزايد فيه الحديث عن إصلاح الإدارة وتعزيز العدالة المهنية، تبرز قصص واقعية تستحق الوقوف عندها، لأنها تعكس معاناة الكثير من موظفي الدولة الذين يواجهون قرارات تعسفية، غالبا ما تكون محكومة بمنطق الولاءات والمزاجية بدلا من الكفاءة والاستحقاق. ومن بين هذه القصص التي تحولت إلى رمز للإرادة والانتصار، قصة الدكتور عباس الأصيلي، الذي اختار أن يواجه التهميش بالعلم، والظلم بالمثابرة، فحول محنته إلى منبر للتتويج الأكاديمي.

الأصيلي، المساعد الإداري من الدرجة الثامنة بجماعة سيدي العايدي بإقليم سطات، تعرض في سنوات سابقة لقرار إداري وصف بـ”الانتقامي”، حين تم تنقيله من مهامه الإدارية إلى وظيفة حارس بالمحجر الجماعي، في خطوة أثارت آنذاك استغراب زملائه واستياء عدد من الفاعلين الحقوقيين والنقابيين، الذين رأوا في القرار تجسيدا صريحا لسوء استعمال السلطة، ومحاولة لكسر طموح موظف معروف بجديته وميله للتكوين المستمر.

إلا أن الأصيلي، بدلا من أن يرضخ لضغط الإقصاء، قرر أن يجعل من موقعه الجديد نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف، وواصل دراسته الجامعية العليا، متحديا ظروف العمل القاسية. وعلى مدى سنوات من الكفاح والبحث، تمكن من مناقشة أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، التي حملت عنوانا ذا طابع مؤسساتي دقيق:

“دور الأجهزة الرقابية في تقييم منجزات السياسة العمومية – المجلس الأعلى للحسابات نموذجا”

وقد حاز على ميزة “مشرف جدا ” مع توصية بالنشر، بالنظر إلى القيمة العلمية لأطروحته، وجدية معالجتها، وانخراطها في صلب النقاش الوطني حول تقييم الأداء العمومي وتفعيل آليات الرقابة الدستورية.

لم يكن ما تعرض له الأصيلي من إقصاء معزولا عن السياق العام لتسيير الجماعة التي اشتغل بها، إذ كشفت مصادر مطلعة أن علاقة توتر دائمة كانت تربطه بالحماعة، على خلفية مواقفه المستقلة ورفضه الانخراط في منطق الولاء أو الزبونية.

وهكذا، تحولت معادلة الإقصاء: من همش الأصيلي تم عزله، بينما من أُقصي صعد إلى منصة الدكتوراه. هذه المفارقة العميقة ، كما وصفها عدد من المراقبين، تعكس ما يمكن تسميته بـ”العدالة المؤجلة”، حين تعود الكفاءة إلى الواجهة، رغم محاولات دفنها إداريًا.

إدراكا لقيمة هذه القصة في المشهد الحقوقي والإداري، بادرت المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام، من خلال مكتبها المركزي، إلى تكريم الدكتور عباس الأصيلي. وقد أشرف على هذا التكريم الأستاذ رشيد هيلال، رئيس المكتب المركزي التنفيذي للمنظمة، الذي أكد في تصريح صحفي:

“الدكتور عباس الأصيلي ليس مجرد موظف نال شهادة عليا، بل هو رمز لموظفي الظل الذين يقصون لأنهم لا يسايرون الإملاءات، ويعاقبون لأنهم يؤمنون بالكفاءة لا بالتبعية. تكريمه هو رسالة نوجهها لكل من يواجه الظلم في صمت: لا تستسلموا، فالعلم طريق المقاومة.”

وأشاد هيلال بالمستوى العلمي للأطروحة التي أنجزها الأصيلي، معتبرا أنها تمثل نموذجا للأبحاث التطبيقية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في صياغة السياسات العمومية، خاصة في مجالات الحكامة والرقابة على المال العام.

وأضاف هيلال لم يعد الدكتور عباس الأصيلي مجرد حالة فردية، بل أصبح يمثل شريحة واسعة من الموظفين الذين يعيشون في صمت تحت وطأة قرارات تعسفية، تفتقد أحيانا للمشروعية الإدارية، وتفتقر في الغالب للبعد الإنساني.

إن قصة هذا الموظف الذي تحول من حارس محجر إلى صاحب شهادة دكتوراه بامتياز، تعيد طرح السؤال: من يحمي الموظفين من التغول الإداري؟ وهل حان الوقت لإصلاح حقيقي يضمن كرامة الموظف ويكافئ الكفاءة بدل الولاء؟

في وطن يطمح إلى ترسيخ أسس العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، تظل قصة الدكتور عباس الأصيلي شهادة حية على أن الظلم لا يدوم، وأن من يزرع المعرفة يحصد الاعتبار. والرسالة الأهم: حين تتقاطع الإرادة مع الاجتهاد، يصبح العلم أبلغ أشكال المقاومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *