في مشهد مؤلم اهتز له الرأي العام المحلي والوطني، شهد خزان مائي بجماعة أولاد يوسف التابعة لإقليم بني ملال حادثًا خطيرًا، تمثل في اعتداء على عنصر من الوقاية المدنية أثناء تدخله لإنقاذ مواطن مهدد بالانتحار، قبل أن تتطور الأمور إلى محاولة انتحار مأساوية، هزّت وجدان سكان المنطقة وأعادت إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول الاحتقان الاجتماعي في المغرب، خاصة في هوامش البلاد.
الحادث الذي سرعان ما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، دفع المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام إلى إصدار بيان استنكاري وتحذيري، عبرت فيه عن قلقها العميق من تكرار مثل هذه المشاهد المأساوية التي تحمل في طياتها الكثير من الدلالات الاجتماعية والسياسية والإنسانية.
ما يضاعف من هول الواقعة أن رجل الوقاية المدنية، الذي تدخل لإنقاذ حياة، تعرض لاعتداء جسيم كاد أن يهدد حياته، ما يطرح تساؤلات حول عمق الأزمة التي تجعل “رمز النجدة” يبدو في نظر المواطن “جزءا من المشكلة”، لا من الحل. وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشرا على اهتزاز العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وبلوغ الأزمة الاجتماعية مستويات غير مسبوقة من الاحتقان واليأس.
بيان المنظمة… ما بين الإدانة والتحذير العميق
المنظمة، التي عبرت عن تضامنها المطلق مع عنصر الوقاية المدنية، أدانت بشدة الاعتداء عليه، لكنها في الوقت نفسه، لم تسقط في خطاب الإدانة السطحي، بل ذهبت أبعد من ذلك، بتشخيصها الدقيق لجذور هذه الحوادث التي لم تعد استثناءً، بل صارت “علامات مرئية لأعطاب صامتة”.
وحسب البيان، فإن محاولة الانتحار ليست فقط فعلا فرديا ناتجها عن اختلال نفسي، بل أصبحت لغة احتجاج مريرة تلجأ إليها الفئات المهمشة، بعد انسداد سبل التعبير التقليدي، وتجاهل الجهات الرسمية لشكاواها وعرائضها ومطالبها.
المقالة الصحفية لا تكتمل دون قراءة أعمق لسياق الحادث. جماعة أولاد يوسف، كغيرها من المناطق القروية، تعاني من تهميش مزمن وضعف في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، وغياب مشاريع تنموية دامجة، ما يجعل المواطن يشعر بالخذلان، ويدفع احيانا إلى ممارسات مأساوية تعبيرا عن الغضب أو اليأس أو الرغبة في لفت الانتباه.
المنظمة لم تُخفِ قلقها من تصاعد وتيرة ما سمته بـ”الانتحار الاحتجاجي”، داعية الدولة إلى التحرك العاجل عبر إطلاق نقاش وطني حول هذا الشكل الجديد من التعبير الاجتماعي العنيف، الذي ينذر بانفجارات أكبر إذا استمرت الآذان الرسمية في الصمم واللامبالاة.
البيان لم يخاطب الدولة بلغة الإدانة فقط، بل بلغة التحذير الاستراتيجي، حين حذر من أن استمرار هذا “الاحتباس الاجتماعي والنفسي والسياسي”، من شأنه أن يحول المواطنين إلى “قنابل يأس”، ويفرغ المؤسسات من معناها الإنساني، ويعرض الاستقرار المجتمعي لهزات خطيرة.
وبلهجة واضحة، شددت المنظمة على أن الكرامة ليست ترفا، بل هي حق دستوري يجب أن يكون جوهر السياسات العمومية، لا هامشا تطوى فيه مطالب الناس.
ما وقع في خزان أولاد يوسف ليس حادثا معزولا، بل هو مؤشر. مؤشر على أن المواطن حين يقصي من التنمية، ويحرم من الكرامة، ويواجه الصمت المؤسساتي بدل الإصغاء، لن يتحدث… بل سيصرخ بجسده.
وتلك الصرخة، حين تتحول إلى مشنقة، تصبح مسؤولية الجميع: دولة، مجتمع مدني، نخب سياسية، وإعلام.
لقد دعت المنظمة، في ختام بيانها، إلى تحويل هذه المأساة إلى محطة للمراجعة، لا مجرد رقم جديد في لائحة الأزمات المؤجلة. فهل تنصت الدولة قبل أن يفوت الأوان؟ وهل نجرؤ جميعا على الاعتراف بأن الاحتجاج لم يمت… بل غير شكله؟
تحرير: فريق الصدى السياسي
13 يوليوز 2025 – الرباط / بني ملال
🖊️ نشر بشراكة مع المنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب

