يثير الكشف عن وجود مراكز شرطة صينية سرّية على الأراضي الفرنسية قلقاً بالغاً في الأوساط السياسية والأمنية بفرنسا، وسط اتهامات متصاعدة لبكين باستخدام هذه البُنى كأدوات خفية لملاحقة معارضيها السياسيين في الخارج، ومراقبة الجاليات الصينية في أوروبا.
ووفقًا لما نقلته صحيفة لاكروا الفرنسية، فإن هذه المراكز تعمل تحت غطاء إداري غير رسمي، وتدار ضمن ما يُعرف بسياسة “جبهة العمل الموحد” التابعة للحزب الشيوعي الصيني، وهي سياسة تهدف إلى ضبط أفراد الشتات الصيني والتأثير عليهم، وأحيانًا – بحسب تقارير – إجبارهم على العودة قسرًا إلى الصين.
رصد وتدابير أمنية
في ردّ رسمي على استجواب تقدّمت به النائبة الجمهورية كونستانس لوغريب، أكدت المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية (DGSI) أنها رصدت تسعة مراكز من هذا النوع على التراب الفرنسي منذ عام 2022، وأوضحت أن “عدة إجراءات اتخذت لإغلاق هذه الهياكل أو تعطيل نشاطها”. كما أضافت أن السلطات الصينية استجابت لاحقًا بإصدار تعليمات تقضي بتجميد أنشطة تلك المراكز.
ومع ذلك، لا تزال هذه المراكز تمثل مصدر قلق بالغ للسلطات الفرنسية والمنظمات الحقوقية، خصوصًا بالنظر إلى طبيعتها الشبكية غير الرسمية. إذ غالبًا ما يديرها أفراد من الجالية الصينية، مثل أصحاب محلات تجارية أو رؤساء جمعيات ثقافية، ويقتصر عدد العاملين في بعضها على أربعة أو خمسة أفراد فقط.
بين الوظيفة المعلنة والخفية
بحسب الرواية الرسمية، تقدم هذه المراكز خدمات قنصلية للجالية الصينية بالخارج، خصوصًا خلال الأزمات مثل جائحة كورونا، حين واجهت السفارات الصينية ضغطًا غير مسبوق في تقديم المساعدة للمواطنين.
لكن الباحث الفرنسي سيمون مينيه من مؤسسة البحث الإستراتيجي يشير إلى وظيفة مغايرة لهذه المراكز، معتبرًا أنها تعمل أساسًا على مراقبة المعارضين السياسيين لبكين، بما يشمل أنصار الديمقراطية، ودعاة استقلال تايوان، وأفراد من الأقليات المضطهدة مثل الإيغور والتبتيين، إضافة إلى أتباع حركة “فالون غونغ” المحظورة في الصين.
أبعاد دبلوماسية وأمنية
هذا الملف يسلط الضوء على تنامي القلق الأوروبي من توسع النفوذ الصيني بوسائل غير تقليدية، في وقت يشهد تصاعد التوتر بين بكين والدول الغربية بشأن ملفات حقوق الإنسان، والتجسس، والسيادة الوطنية.
وتتزامن هذه المخاوف مع مطالبات متزايدة داخل فرنسا وأوروبا بضرورة مراجعة العلاقات مع الصين، خصوصًا فيما يتعلق بحماية الجاليات المحلية من أي تدخلات خارجية تمس حرية التعبير أو الحق في المعارضة.
في الوقت الذي تنفي فيه بكين بشدة هذه الاتهامات، وتعتبر الحديث عن “مراكز شرطة سرية” مجرد دعاية مغرضة، تتزايد المطالب الفرنسية بضرورة اليقظة والتدقيق في أي أنشطة غير رسمية على التراب الوطني، حفاظًا على السيادة والأمن الداخلي، وحقوق الأفراد المقيمين على الأرض الفرنسية.

