برشيد – في زمن تتسارع فيه التغيرات وتتبدل فيه المهن بشكل متسارع، يظل التمسك بالحرف التقليدية التي تمثل خبرة الأجيال وتاريخ العائلات علامة وفاء للأصل وإخلاص للقيمة المهنية. وسط هذا الواقع، يبرز اسم أيوب الضغوغي، أحد أبرز صناع الأسنان بمدينة برشيد، الذي اختار أن يسير على خطى والده الراحل، محافظا على رسالة مهنية تتجاوز حدود الكسب المادي، لتصبح رمزا للأمانة والإتقان.
لم يكن دخول أيوب الضغوغي إلى مجال صناعة الأسنان محض صدفة، بل هو ثمرة تنشئة داخل أسرة جعلت من حب الحرفة وإتقانها مبدأً للحياة. والده كان من الأسماء المرموقة في هذا المجال على مستوى مدينة برشيد، عرف بجديته واحترامه لأخلاقيات المهنة. هذا الإرث لم يكن مجرد عمل، بل كان مدرسة متكاملة غرس فيها الوالد قيم الالتزام، احترام القوانين، وتقديم الخدمة للمواطن في إطار يوازن بين الجودة والمسؤولية.
“المهنة بالنسبة لي ليست مجرد مصدر رزق، بل هي رسالة أخلاقية قبل كل شيء”، يقول أيوب الضغوغي بابتسامة هادئة، مضيفا: “تعلمت من والدي أن أدق التفاصيل يمكن أن تصنع فرقا كبيرا في حياة المريض، وأن صحة الإنسان فوق أي اعتبار.”
اليوم، يسير أيوب الضغوغي على النهج ذاته، لكن بروح العصر. ورشته ليست مجرد مكان للعمل، بل فضاء مجهز بأحدث المعدات التقنية التي تضمن الدقة والجودة، إلى جانب التزام صارم بالتعقيم واحترام المعايير الصحية الدولية.
ويشرح أيوب قائلا : “صناعة الأسنان لم تعد تعتمد فقط على المهارة اليدوية، بل أصبحت علما وتقنية دقيقة تتطلب تكوينا مستمرا ومواكبة لكل جديد، حتى نضمن للزبون أفضل خدمة ممكنة.”
هذا الحرص على المزاوجة بين الخبرة التقليدية والتكنولوجيا الحديثة جعله يحظى بثقة واسعة، سواء لدى الزبناء أو بين المهنيين في القطاع.
ورغم الجهود التي يبذلها المهنيون الشرفاء، فإن القطاع لا يخلو من تحديات، أبرزها الممارسات العشوائية التي يقوم بها البعض خارج الضوابط القانونية، ما يهدد صحة المواطن ويشوه صورة الحرفة.
ويؤكد أيوب بحزم: “أرفض أن أكون جزءا من الفوضى. هذه المهنة لها ضوابط، وأي تلاعب فيها يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على صحة الناس. لذلك اخترت أن ألتزم بالقانون مهما كان الثمن.”
إن التزام أمثال أيوب الضغوغي بالمعايير المهنية والقانونية يمثل نموذجا إيجابيا يجب أن يدعم ويشجع، لأنه يترجم مبادئ الحكامة الجيدة ويعزز الثقة بين المواطن والمهني.
إن قصة أيوب الضغوغي ليست مجرد سيرة مهنية عادية، بل هي حكاية عن الإصرار على الحفاظ على القيم في زمن السرعة والمظاهر الخادعة. إنها تأكيد على أن الإرث العائلي، حين يقترن بالعلم والاجتهاد، يتحول إلى نجاح مستدام يعزز الثقة في المهنة والمجتمع.
في برشيد، بات اسم أيوب الضغوغي عنوانا للجودة والنزاهة، في وقت أصبح فيه المستهلك يضع معيار الكفاءة فوق أي اعتبار. وبينما تسعى بعض الحرف إلى التلاشي تحت ضغط الحداثة، يثبت أيوب أن الأصالة يمكن أن تتعايش مع التطور، إذا كان الهدف هو خدمة المواطن بضمير حي.
ويختم أيوب حديثه قائلا: “رسالتي إلى كل الشباب: النجاح لا يتحقق بالغش أو الطرق السهلة، بل بالصبر، والإخلاص، والالتزام بالقيم المهنية. فالصحة أمانة، ومن يخونها لا يستحق أن يمارس هذه المهنة.”
ختاما، تظل هذه القصة درسا للأجيال الصاعدة: أن النجاح الحقيقي لا يقاس بمدى السرعة في تحقيق المكاسب، بل بمدى القدرة على الصمود في وجه الإغراءات، والإخلاص للمبادئ، والالتزام بخدمة المجتمع بأمانة وإتقان.

