الرئيسيةمجتمع50 سَنة مرّت على الإعلان عن المَسيرَة، ذكريَات خالدَة
مجتمع

50 سَنة مرّت على الإعلان عن المَسيرَة، ذكريَات خالدَة

لقاء السياسي/ابراهيم اشويبة

في مثل هذا اليوم 16 أكتوبر ترقّب الناس على غير العادة خطاباً للمَلك الرّاحل الحسن الثاني . لم تكن هناك مناسبة وَطنية لكي يُعلَن عن خطاب ملكي في ذلك اليوم الخريفي الجميل . إذ اعتاد الناس على الخطابات الملكية في مناسبات معروفة . مثل عيد العرش وعيد الاستقلال . وعيد الشّباب وعيد ثورة الملك والشعب أو مناسبة نفي محمد الخامس يوم 20 غشت سنة 1953 .
كان اليوم يوم إثنين . لم تبدأ الدراسة في الجَامعات بعد . لم أعد أتذكّر لماذا تواجدتُ في الدار البيضاء في ذلك اليوم . حيث لا زالت شمس الخريف شديدة الحرارة مما يضفي على المدينة العملاقة التي لا تنام مسحةً من البهجة والجمال . جعلتني أندفع لأكتشف أسواقها الشعبية الفسيحة وشديدة الازدحام والرّواج . خاصةً سوق ” لقريعة” و ” شيطَيبة” و ” درب غلّف” . والحفّاري . كان السوق الأقرب للمكان الذي أتواجد فيه عند المقرّبين من العائلة . هو سوق شطيبة متنوع المعروضات والبضائع . من أفرشة وتحف وطيور غريبة وإلكترونيات وغيرها . كما كانت مدن الصّفيح لا زالت منتشرةً في كاريان بن مسيك . وسيدي عثمان . لم يكن يستهويني شيء أو يثير فضولي سوى أنواع التّرانزيستورات transistors . خاصةً التي تتوفر على الموجات القصيرة والإذاعات التي كنّا نعتقد أنها تقول الحقيقة ولا تكذب مثل إذاعاتنا الرسمية . خاصةً إذاعة الرباط وإذاعة طنجة المتميزة بأصوات ولكنات مذيعيها حين يعلنون بأصواتهم الجهورية : هنا إذاعة طنجة ! لما تشتغل إذاعة لندن أو القسم العربي لهيأة الإذاعة البريطانية bbc لا يمكن لإذاعة أخرى منافستها أو التطاول عليها . وإذا سردنا خبراً وساورت أحدهم الشكوك في مصداقيته . يكفي أن تعلن له عن المصدر فيتراجع خاسئاً وهو حسير . لأن اعتقاد الناس كان يجعل من هؤلاء الغربيين معياراً للصدق واليقين والحقيقة التي لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من بين أيديها . كنا نعرف بأن إذاعة موسكو تكذب وتروج لإنجازات الاتحاد السوڤياتي والحزب الشيوعي الخيالية والمبالغ فيها . وأنهم يعوضون ضعف إنجازاتهم الاقتصادية بقوة الدفع الهيرتسي والبروباغندا الإعلامية والإيديولوجية . وبلاغة مذيعيهم وأصواتهم القوية . وكذلك إذاعة ليبيا الگذّافية . وكل إذاعات العرب كانت مجرد أبواق للأنظمة الدكتاتورية . ما كنا نفتخر به هو قدرة أجهزتنا ومهاراتها وذكاؤها رغم صغرها ورخص ثمنها . فهي تستطيع التقاط إذاعات بعيدة وغريبة : مثل إذاعة أكرا accra في غانا . وماذا يمكن لغانا أن تفيدنا به من مستجدات وأخبار أو حلول لمشاكلنا وفضولنا المعرفي ؟ وإذاعة سالڤادور salvador وبغداد ودمشق والرياض والقاهرة والهند والصين . أحسن إذاعة بعد لندن . إذاعة rfi الفرنسية الدولية radio france internationale وإذاعة واشنطون الصباحية رغم قصر مدة بثها .
أدمنّا الاستماع للإذاعات الأوروبية وغيرها معتقدين أننا سنعثر على حلّ لمشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية . وأن عرض الإذاعات الوطنية لمنجزات وهمية وتدشينات لمشاريع ورقية كفيل بإخراجنا من أزماتنا الشخصية وضيقنا المادي . لكن هيهات فقد كنا فقط نجري وراء السّراب le mirage . والخطب الرّنّانة والخشبية les discours de bois كانت فارغةً من كلّ أساس ومعنى . دليلنا في ذلك أن لا شيء تغيّر . والتحكم والتبذير واللّاوعي والاستلاب الفكري هو المسيطر على أوضاعنا إلى اليوم . وعجز المؤسسات المنتخبة على تقديم أي إصلاح حقيقي للأوضاع . بل فقط التغنّي بالديموقراطية الصورية والحريات الشكلية . بينما خيرات البلاد تستمتع بها أقلية وفئات طفيلية !
أرجع للموضوع الأساسي . فقد اشتريتُ جهاز راديو جديد من سوق شطيبة . إذ بعد حصولي على كل منحة كنت أبادر بشراء راديو لعله يكشف لي عن حقيقة وضعي . وأسرار العالم . كان السرّ في تلك الليلة بعد عودتي للرباط عبر حافلات درب بن جدية التي لم يكن يتجاوز السفر على متنها 4 دراهم و 40 سنتيم : 88 ريال فقط . جاء وقت الخطاب ليفاجئ الملك الحسن الثاني العالم بالمسيرة الخضراء . La marche verte نحو الصحراء . وذلك بإرسال 350.000 من المواطنين يتقدمهم الوزير الأول أحمد عصمان . وهو عدد الولادات السنوية في المغرب . على الجميع رجالاً ونساءً التطوع للالتحاق بالأقاليم الجنوبية المحتلة من طرف إسبانيا الجنرال فرانكو generalissimo franco المحتضر agonisant في تلك الأثناء . تطوع الطلبة بحماس وكذلك الشباب العاطل معتقدين أنهم سيحصلون على عمل أو سكن . أغلبهم مدفوعون بوطنية صادقة . ذهب صديقي في السكن في الحي الجامعي بلعباس . لا زلت أراه على شاشة التلفزيون بقبّعته الحمراء باهتة اللّون . كلما عرضوا لذكرى المسيرة . تمنيتُ لو شاركت مثله في تلك المسيرة الوطنية الرائعة والمبدعة حتى أدخل التاريخ من بابه الواسع . لكن لم يسعفني الحظ فبقيت أنصت لجهاز الراديو وهو يعلن انطلاق المسيرة يوم 6 نونبر . وقفة رجل واحد وبنظام وانتظام كما أعلن الملك ذو الكاريزما الاستثنائية . وحب السلطة المميز لشخصيته القوية ! ومصطفى العلوي يذرف الدموع عندما حلقت طائرات عسكرية فوق رؤوس المتطوعين الحاملين لكتاب الله . هل خوفاً أم إشفاقاً أم حماساً أم ماذا … ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *