الرئيسيةمجتمعسليمان النصري … رجل الأمن الذي رحل واقفًا مثل نخلةٍ لا تنحني!
مجتمع

سليمان النصري … رجل الأمن الذي رحل واقفًا مثل نخلةٍ لا تنحني!

لقاء سياسي/ابراهيم لعسل

بسم الله الرحمن الرحيم “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة” سورة آل عمران، الآية 185.

مساء الجمعة 17 أكتوبر 2025م، خبا نجمٌ من أنقى نجومه الأمنية، ورحل رجلٌ كان يمشي بين الناس كأنه صفحة من كتاب الشرف والوفاء. غادرنا مقدم شرطة رئيس “سليمان النصري” إلى دار البقاء، بعد عمرٍ أمضاه في خدمة الأمن الوطني، وفي غرس قيم الصدق والانضباط في نفوس من عملوا تحت إمرته. رحل في صمت، كما عاش في صمت، لكنه ترك وراءه صوتا مدويا من القيم والمبادئ التي لا تموت.
رجلٌ بنكهة الواجب ونبل الإخلاص:

عرفت الراحل معرفة القريب من روحه خلال الفترة الممتدة بين 1994 و 1995، عندما كان رئيسا لـ مكتب الطاعة والانضباط وتحرير محاضر مخالفات قانون السير، التابع للهيئة الحضرية بمقر الأمن الإقليمي بمدينة القنيطرة، ذلك المقر الذي أصبح اليوم ولاية الأمن. كان الزمن زمن انضباطٍ وجدية، وكان مقدم شرطة رئيس “سليمان النصري” عنوانهما الأكبر.
لم يكن رئيسا فحسب، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، علّمتني أن رجل الأمن لا يُقاس بنياشينه، بل بضميره، وأن الطاعة الحقيقية هي طاعة الواجب لا الأشخاص. كان يردد دومًا بصرامته الهادئة: “من أراد أن يكون شرطيًا ناجحًا، فليكن أولًا إنسانًا نزيهًا.”

كانت كلماته كالنقش في الصخر. لم يكن يعظنا بالكلام فقط، بل بالفعل والموقف. من خلاله تعلّمتُ أن القانون ليس ورقةً نكتبها، بل روحًا نحملها، وأن احترام المواطن لا يتنافى مع هيبة الأمن، بل يزيدها شرفًا.

قائد بعين الأب وقلب المربي:

من عاشره لا ينسى ابتسامته الهادئة، ولا صوته الواثق حين يوجّه، ولا نصيحته التي تخرج من قلبٍ صادقٍ لا يريد إلا الخير لمن أمامه. كان حازمًا في الموقف، لكنه رؤوف في النصيحة، عادلًا في القرار، لا يميز بين مرؤوسٍ وصغير، ولا بين ضابطٍ ورقيب، فالجميع عنده في ميدان الواجب سواء. كان يذكّرنا دائمًا بحديث النبي ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”.

ولذلك كان يتقن عمله بإخلاصٍ نادر، يراجع التفاصيل بنفسه، يوقّع المحاضر بعد تمعّنٍ ودقةٍ، كمن يخشى أن يكتب ظلمًا بغير قصدٍ أو يوقع على خطأٍ غير مقصود. كان يؤمن أن العدالة مسؤولية أمام الله قبل أن تكون توقيعًا على ورق.

أبٌ روحي ومدرسة حياة:

لقد كان “سليمان النصري” بالنسبة إليّ الأب الروحي والنموذج الإنساني المثالي. منه تعلّمتُ كيف أتعامل مع المهنة بكرامة، وكيف أواجه الصعاب بثبات، وكيف أجعل من كل تجربة مؤلمة خطوةً نحو النضج المهني والإنساني. لقد شكّل بوصلتي في زمنٍ كانت فيه التجارب تاهت، والقدوات قلّت. إنه ذلك النوع من الرجال الذين لا يكتفون بتلقين الدروس، بل يعيشونها أمامك في كل لحظة، حتى تشعر أن الصدق نفسه له وجهٌ وهيئةٌ وملامح، وكان وجهه هو ذاك الوجه.

عاش نظيفا ورحل طاهرا:

عاش شريفًا، نقي السريرة، لم يُدنّس اسمه غبار الشبهات، ولم تُمسّ سيرته بظلٍّ من الرياء أو المصلحة. كان رجلًا يمشي بخطواتٍ ثابتةٍ على طريق العدل، يخاف الله أكثر مما يخاف الرؤساء أو التقارير. كان يحترم الزيّ الأمني كما لو كان يرتدي علم الوطن على كتفيه.

“يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي ” سورة الفجر، الآيات 27 – 30، بهذه الكلمات القرآنية أودّعه اليوم، وأنا أشعر أنني لا أرثي رئيسًا فحسب، بل أرثي حقبة من الشرف المهني الذي جسّده في كل تفصيلٍ من حياته. لقد رحل جسده، لكنّ سيرته باقية بيننا، نرويها للأجيال القادمة كدرسٍ في الصدق والوفاء والرجولة.

الفراغ الذي لا يُملأ:

من الصعب أن يرحل رجل مثله دون أن يترك فراغًا في النفوس والمؤسسة. لقد بكاه زملاؤه في المهنة، ونعاه أصدقاؤه من المثقفين والفنانين والرياضيين، وكل من عرفوه عن قرب. كان صوته في الميدان هادئًا، لكنه في الذاكرة سيبقى صاخبًا كجرس الضمير، يذكّرنا دائمًا بأن خدمة الوطن ليست شعارًا يُقال، بل عهدٌ يُحمل على الكتفين حتى آخر العمر.

قال رسول الله ﷺ: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له”. وربما كان علمه الذي تركه فينا، ونصائحه التي نحملها في ذاكرتنا، ودعواتنا التي نرفعها له في كل حين، هي صدقته الجارية التي لا تنقطع أبدًا.

وداعا أيها الشريف النبيل:

نم قرير العين أيها الشرطي الصالح “سليمان النصري”. نم مطمئنًا كما كنت مطمئنًا يومًا وأنت تردد: “يكفيني أن أموت وضميري مرتاح.” ها أنت الآن في رحاب الرحمن الرحيم، بعد أن تركت وراءك أثرًا لا يُنسى. اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واملأه نورًا وسرورًا، واغسله من خطاياه بالماء والثلج والبرد، ونقِّه كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، واجعل مثواه في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين.

إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اجزه عن وطنه ومهنته خير الجزاء، واجعل كل لحظةٍ خدم فيها الأمن والناس في ميزان حسناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *