بقلم: رشيد هيلال مدير تحرير مجموعة الصدى السياسي الإعلامية ،رئيس المكتب المركزي الوطني للمنظمة المغربية لمحاربة الرشوة وحماية المال العام بالمغرب
نظم عشرات الصحفيين والصحفيات بالعاصمة الرباط وقفة احتجاجية صامتة امام مقر وزارة الشباب والثقافة والتواصل قطاع التواصل بشارع علال بن عبدالله، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم الغضب داخل الجسم الاعلامي بالمغرب عقب الفضيحة الاخلاقية التي هزت لجنة الاخلاقيات التابعة للجنة المؤقتة لتدبير شؤون المجلس الوطني للصحافة. وقد اختار الصحفيون هذا المكان لانه يمثل الجهة الوصية على القطاع والمسؤولة بشكل مباشر عن الاشراف على المؤسسات التنظيمية التي تعنى بالمهنة، مما يمنح للوقفة دلالة سياسية ومهنية واضحة.
ورغم الطابع الصامت للوقفة، الا ان رسائلها كانت قوية وصارمة، تؤكد ان الجسم الصحفي لم يعد يقبل التجاوزات التي تمس كرامته وتضرب مصداقية مؤسسات يفترض فيها حماية النزاهة المهنية. واعتبر المحتجون ان الفضيحة الاخلاقية الاخيرة لم تكن سوى حلقة جديدة في سلسلة من الاختلالات المتراكمة التي تعكس حالة الارتباك التي تعيشها اللجنة المؤقتة وغياب الشفافية في التعامل مع الملفات الحساسة المرتبطة بتنظيم المهنة.
وطالب الصحفيون الوزارة الوصية بفتح تحقيق شامل ومستقل والكشف العلني عن تفاصيل ما جرى وترتيب المسؤوليات القانونية والادارية والاخلاقية، مؤكدين ان التغاضي عن مثل هذه الخروقات يسيء الى صورة الصحافة المغربية ويعمق فقدان الثقة في المؤسسات التي تشرف على القطاع. كما شددوا على ان حق المجتمع في المعلومة يقتضي الوضوح والشفافية، وان محاولة اخفاء الوقائع او الالتفاف عليها لن تزيد الا في تأزيم الوضع.
وقد شهدت الوقفة مشاركة صحفيين من مؤسسات اعلامية جادة ومراسلين جهويين قدموا من مدن مختلفة، اضافة الى فاعلين حقوقيين حضروا للتضامن. وتم خلال الوقفة تبادل نقاشات جانبية بين المهنيين حول الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع، سواء من حيث التهديدات والشكايات الكيدية التي تستهدف اصحاب الرأي الحر، او من حيث التدهور الاجتماعي والمهني الذي يعاني منه عدد كبير من الصحفيين.
كما اعاد المشاركون التأكيد على مطلب اصلاح آليات الدعم العمومي، الذي ظل لسنوات طويلة بعيدا عن معايير الشفافية وتكافؤ الفرص. واعتبروا ان حرمان العديد من المؤسسات الاعلامية الجادة من الدعم منذ تسعينيات القرن الماضي يشكل ظلما واضحا، ويضر بتطور المشهد الاعلامي الوطني، في حين تستفيد مؤسسات اخرى دون معايير موضوعية واضحة. وطالبوا باعتماد لجنة مستقلة وذات مصداقية تشرف على توزيع الدعم وفق معايير مهنية واخلاقية صارمة، وربط الاستفادة منه بجودة المنتوج الاعلامي واحترام القانون.
وفي قراءة اوسع لمعاني هذه الوقفة، شدد الصحفيون على ان ازمة القطاع ليست ظرفية، بل هي نتيجة غياب رؤية حقيقية لتطوير اعلام وطني مستقل وقوي، قادر على حماية المجتمع ونقل الحقيقة دون ضغوط. كما نبهوا الى خطورة اللوبيات التي تشتغل في الظل وتستغل مواقعها للتاثير على القرارات وتوجيه المؤسسات بما يخدم مصالحها الخاصة، معتبرين ان مواجهة هذا الواقع مسؤولية جماعية.
وتشكل الوقفة الاحتجاجية امام وزارة الشباب والثقافة والتواصل محطة مهمة في مسار الدفاع عن كرامة الصحفيين وصون حقوقهم، ورسالة واضحة بان مستقبل الصحافة في المغرب لن يبنى على اللجان المؤقتة ولا على غياب الشفافية، وان الاصلاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالاخطاء وتحمل المسؤوليات واعتماد مبدأ المحاسبة.
وخلص الصحفيون والصحفيات الى ان صوتهم لن يصمت، حتى وان كانت الوقفة صامتة، وان الدفاع عن المهنة وعن حرية التعبير واجب لا يمكن التراجع عنه، وان دعم القطاع وضمان كرامة المهنيين ليس مطلبا فئويا، بل شرط اساسي لضمان وجود اعلام وطني قوي ونزيه يخدم الصالح العام ويرتقي الى مستوى تطلعات المجتمع.

