بقلم: الشريف محمد مومن المدير العام لمجموعة الصدى السياسي الإعلامية
تظل السيدة زينب العدوي واحدة من أبرز الوجوه المؤسساتية التي بصمت مسارها المهني بحضور قوي ورؤية إصلاحية واضحة، جعلتها من الأسماء التي تحظى بالاحترام داخل المغرب وخارجه. فمنذ بداياتها في سلك التفتيش والرقابة المالية، مرورا بتجاربها الوازنة في المسؤوليات الترابية، وصولا إلى رئاسة المجلس الأعلى للحسابات، برهنت العدوي على قدرة فريدة في الجمع بين الصرامة المهنية والجرأة في اتخاذ القرار، وبين العمق التحليلي والالتزام بقيم النزاهة والشفافية.
وتمثل العدوي اليوم نموذجا لمغربية استطاعت أن ترتقي داخل هرم المسؤوليات الكبرى اعتمادا على الكفاءة، لا على الحسابات السياسية أو التوازنات المرحلية. فهي امرأة أثبتت أن العمل الرقابي ليس مجرد تقارير تنشر ولا خلاصات تقنية تجمع ، بل هو توجه استراتيجي لحماية المال العام وترسيخ ثقة المواطنين في مؤسساتهم الدستورية.
وقد شكلت رئاستها للمجلس الأعلى للحسابات نقطة تحول في مسار هذه المؤسسة الدستورية، إذ عملت على تثبيت منهج جديد يقوم على تحديث آليات مراقبة التدبير العمومي، واعتماد مقاربات ناجعة تسهم في ربط المسؤولية بالمحاسبة بعيدا عن الانتقائية أو الاستغلال السياسي. وتظهر التقارير الميدانية للمجلس خلال السنوات الأخيرة أن العدوي قادت تغييرا حقيقيا في فلسفة الرقابة، من رقابة تقليدية بعدية إلى رقابة استباقية قادرة على قياس الأداء وجودة السياسات العمومية.
وما يميز عمل العدوي هو تلك الروح المهنية التي تعلي من شأن المؤسسات وتواجه الاختلالات دون ضجيج أو صدام غير منتج. فهي واعية بحساسية المرحلة التي يمر منها المغرب، وبالحاجة الملحة إلى قيادات مؤسساتية قادرة على التفاعل مع توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، خصوصا في ما يتعلق بمحاربة الفساد وتحسين حكامة المؤسسات وربطها بقيم الشفافية والفعالية.
كما أن حضورها في المشهد الوطني لم يكن تقنيا فقط، بل شكل رسالة رمزية قوية حول مكانة المرأة المغربية وقدرتها على تحمل أعلى درجات المسؤولية. فقد أثبتت العدوي أن القيادة النسائية ليست استثناءً، بل قاعدة قادرة على تقديم نموذج جديد في التدبير العمومي، نموذج يرتكز على الانضباط، قوة الملاحظة، التحليل المحكم، والانسجام مع التحولات المؤسساتية الكبرى.
إن تجربة زينب العدوي اليوم ليست مجرد نجاح شخصي، بل تجربة وطنية تحمل دلالات عميقة في بناء مغرب المؤسسات، وتعزيز المسار الإصلاحي، وترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة. ومع استمرار إصلاح القطاع العام وتطوير نظم المراقبة والافتحاص، يبقى دور العدوي ركيزة أساسية في مواكبة هذا الورش وإعطائه بعداً أكثر صرامة وفعالية.
وتبقى رسالتها المهنية، كما يراها المتابعون، جزءا من مشروع وطني كبير يهدف إلى حماية المال العام، والرفع من جودة الخدمات العمومية، وتخليق الحياة العامة، وكلها أوراش تتقاطع مع تطلعات الشعب المغربي ومع الإرادة الملكية الرامية إلى بناء دولة قوية بمؤسساتها ورجالاتها ونسائها.
إن زينب العدوي ليست فقط رئيسة مؤسسة دستورية عليا، بل هي مدرسة قائمة بذاتها في الحكامة والرقابة، ومسار يلهم الأجيال المقبلة من الأطر والكفاءات الوطنية. إنها صورة مشرقة لامرأة مغربية تكافح بصمت، وتشتغل بجد، وتبني بإخلاص، وتترك بصمتها بشكل واضح في مسار الإصلاح والتحديث.

