يدخل القانون الجديد للمسطرة الجنائية حيّز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025، وفي هذا السياق شارك مصطفى الرميد، وزير العدل الأسبق، في ندوة نظّمتها المحكمة الزجرية بالدار البيضاء ووكيل الملك لديها. وقد نشر مداخلته على صفحته بـ « فايسبوك » تحت عنوان: « مستجدات قانون المسطرة الجنائية على صعيد المرحلة الابتدائية »، تناول فيها أبرز ما جاء في القانون الجديد كما يلي:
أولا: تعزيز حقوق الدفاع وتقوية ضمانات المحاكمة العادلة
وقد تجلّى ذلك في عدة أحكام جديدة تشمل جميع مراحل المسطرة، وصلت أحيانا إلى مدى محترم، إلا أنها، أحيانا أخرى، تركت فراغات ونقائص ينبغي استدراكها في القادم من السنين.
من أهم ما ورد في هذا السياق، أنه أصبح من واجب وكيل الملك، وعند الاقتضاء الضحية أو المشتكي بالحق المدني، إشعارهم بالإجراءات المتخذة بشأن الشكايات المتوصَّل بها داخل أجل أقصاه خمسة عشر يوما من تاريخ اتخاذ القرار، كما تقرر ذلك المادة 40.
كما أنه في حالة الحفظ، يمكن لمن يهمه الأمر أن يتظلّم من قرار وكيل الملك أو نائبه لدى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، كما نصّت على ذلك المادة 40.
نصّ القانون الجديد في المادة 74-1 على أحقّية المحامي في الحضور للاستنطاق الذي يُخضَع له المتهم أمام النيابة العامة، كما كان مقررا في القانون القديم، لكنه أضاف إلى ذلك أحقّيته أيضا في التماس إجراء فحص طبي على موكله، والإدلاء بالوثائق، وطرح الأسئلة وإبداء الملاحظات، وكل ذلك بعد الانتهاء من الاستنطاق، وهو تطور حقوقي مسطري يعزّز حقوق الدفاع بشكل مفيد.
نصّ القانون الجديد على حالات محددة تهمّ الوضع تحت الحراسة النظرية، باعتبارها تدبيرا استثنائيا لا يتم اللجوء إليه إلا إذا تبين أنه ضروري لأسباب عددها ستة، وهي:
1. الحفاظ على الأدلة، والحيلولة دون تغيير معالم الجريمة.
2. القيام بالأبحاث والتحريات التي تستلزم حضور ومشاركة المشتبه فيه.
3. وضع المشتبه فيه رهن إشارة العدالة، والحيلولة دون فراره.
4. الحيلولة دون ممارسة أي ضغط على الشهود أو الضحايا أو أسرهم أو أقاربهم.
5. منع المشتبه فيه من التواطؤ مع الأشخاص أو المشاركين في الجريمة.
6. وضع حدّ للاضطراب الذي أحدثه الفعل بسبب خطورته أو ظروف ارتكابه، أو الوسيلة التي استُعملت في ارتكابه، أو أهمية الضرر الناتج عنه، أو بالنظر لخطورة المشتبه فيه.
وقد نصّت هذه المادة أيضا على أنه يجب على النيابة العامة التأكد من تحقق الأسباب المذكورة. وإذا كانت هذه الأسباب عامة إلى درجة يمكن وصفها بالفضفاضة، فإن ذلك ناتج عن إرادة مبيّتة للمشرع؛ إذ في الوقت الذي يستهدف عدم التضييق إلى درجة إرباك سير البحث في بعض الحالات، فإنه أراد أيضا أن يُشعر مؤسسة الشرطة القضائية، وقبلها مؤسسة النيابة العامة، بحساسية هذا الإجراء واستثنائيته، حتى لا يتم التوسّع فيه.
لذلك، فإن مؤسسة النيابة العامة من واجبها تدقيق الحالات والتأكّد من ضرورة الوضع تحت الحراسة النظرية بحسّ قضائي إنساني، إذ إن هذا الإجراء، وإن كان مأذونا لضابط الشرطة القضائية للقيام به طبقا لما هو منصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 66، فإن ذلك منوط بتحقق شرط الاستثنائية من خلال مراقبة النيابة العامة.
قرّرت المادة 66-2 ما قرّره الدستور من الحق في الصمت، لكنها أضافت مقتضى توضيحيا مفاده عدم اعتبار الصمت اعترافا ضمنيا بما هو منسوب إلى الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية، مع العلم أنه كان ينبغي أن يكون النص شاملا لكافة الأشخاص المشتبه فيهم، وليس فقط بالنسبة للأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية كما ينطق بذلك النص. وأعتقد أنه، وباعتبار أن القياس معتمد في مادة المسطرة الجنائية، خاصة إذا كان لصالح المتهم، فإن القضاء بإمكانه تعميم هذا المقتضى على كافة حالات المشتبه فيهم.
منح القانون الجديد الشخص الذي أُلقي عليه القبض أو وُضع تحت الحراسة النظرية الاستفادة من مساعدة قانونية، بما في ذلك طلب تعيين محام في إطار المساعدة القضائية، وهو ما يستدعي من نقيب المحامين العمل على تكليف محامين جاهزين للقيام بهذا الواجب في أي وقت يُطلب منه ذلك. وقد تم النص على أن الاتصال يكون من الساعة الأولى لوضع المعني بالأمر تحت الحراسة النظرية، دون إذن مسبق من النيابة العامة كما كان في القانون القديم.
غير أنه، وبطلب من ضابط الشرطة، فيما يخص الجرائم المنصوص عليها في المادة 108، يمكن للنيابة العامة أن تقرر تأخير هذا الاتصال بصفة استثنائية، على ألا تتجاوز مدة التأخير نصف المدة الأصلية، وهي 24 ساعة من أصل 48 ساعة لعموم الجرائم كما هو معلوم، وبالنسبة لجرائم الإرهاب وأمن الدولة فهي 48 ساعة من أصل 96 ساعة.
إلا أن هذا الاتصال بين المحامي وموكله يتم خلال نصف ساعة فقط، تحت مراقبة ضابط الشرطة القضائية، في ظروف تكفل السرية، بمعنى أن الضابط بإمكانه ممارسة المراقبة البصرية دون السمعية.
قررت المادة 66-3 مقتضيات تهم التسجيل السمعي البصري للمشتبه فيه أثناء قراءة تصريحاته المضمنة بالمحضر، ولحظة توقيعه أو إبصامه أو رفضه، لكنها أوردت قيودا على هذا الإجراء قلّلت من أهميته؛ ذلك أنه يهم فقط الجنايات والجنح المعاقب عليها بخمس سنوات حبسا فأكثر، في حين أن عموم الجنح هي التي كان ينبغي إضفاء حماية أكبر للمعنيين بها، باعتبار المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه يعتد بالمحاضر التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبّت من الجنح والمخالفات، إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات، خصوصا وأن الجنح المعاقب عليها بأكثر من خمس سنوات تبقى محدودة العدد.
كما تقرر تحديد كيفيات إجراء التسجيل السمعي البصري بنص تنظيمي، ثم جاءت المادة 755 في فقرتها الأخيرة تنص على أن هذا المقتضى لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد انصرام خمس سنوات على صدور النص التنظيمي المذكور، وهو ما يعتبر بدعة تشريعية غير مقبولة.
وإن مما يُسجّل على هذا القانون تراجعه عمّا كان مسطَّرا في مسودته لسنة 2015، في المادة 67-1 التي كانت تنص على ما يلي:
(يقوم ضابط الشرطة القضائية بتسجيل سمعي بصري لاستجوابات الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم جنايات أو جنحا…)
كما نصت المادة 67-3 من المسودة أيضا على أنه:
(إذا تعلّق الأمر بالاستماع إلى مشتبه فيه بارتكاب جناية أو جنحة، ولم يكن موضوعا تحت الحراسة النظرية، فإن الاستماع إليه يمكن أن يتم بحضور محاميه المختار).
قررت المادة 66-4 أحقية المحامي في حضور عملية الاستماع إلى المشتبه فيهم من قبل الشرطة القضائية إذا تعلق الأمر بالأحداث أو بذوي العاهات، وهم الأبكم والأعمى أو المصاب بأي عاهة من شأنها الإخلال بحقه في الدفاع، كما هو منصوص عليه في المادة 316 من هذا القانون. وهذا يعني أن هذا المقتضى يهم فئة خاصة من ذوي الإعاقة الذين لديهم صعوبات في التواصل، دون غيرهم، مما يستوجب تأكد وكيل الملك من ذلك قبل الإذن للمحامي بالحضور مع المعني بالأمر.
أصبحت الحراسة النظرية منظَّمة بمقتضيات جديدة، أهمها أن سجلها الذي ينبغي أن يُمسَك من قبل الشرطة القضائية يتم التوقيع فيه من قبل الشخص المعني أو يُبصِم عليه، وفي حالة الرفض يُشار إلى ذلك في السجل.
إضافة إلى مقتضيات تنظيمية أخرى، فقد أصبح لزاما إنجاز سجل إلكتروني وطني وجهوي للحراسة النظرية، ويتم الاطلاع عليه عن بعد من قبل رئيس النيابة العامة والسلطات القضائية المختصة والجهات المخول لها قانونا ذلك، ضمانا لاحترام الشرطة القضائية للمدد المحددة قانونا، حفاظا على حقوق الأشخاص وحرياتهم.
وتبعا للمادة 74 التي تهم حالة التلبس، والمادة 47-1 المتعلقة بغير حالة التلبس، إذا تبيّن أن تدابير المراقبة القضائية المنصوص عليها في الفصل 161 غير كافية، أو أن مثول الشخص أمام المحكمة في حالة سراح من شأنه التأثير على حسن سير العدالة، فإنه يمكن لوكيل الملك، تبعا للمادة 47-1، أن يقرر تطبيق مسطرة الإيداع بالسجن، وذلك لأسباب أربعة، وهي:
1. إذا اعترف المتهم بالأفعال المكونة للجريمة التي يُعاقب عليها بالحبس، أو ظهرت علامات أو أدلة قوية على ارتكابه لها أو مشاركته فيها، ولا تتوفر فيه ضمانات كافية للحضور.
2. إذا ظهر أنه خطير على النظام العام أو على سلامة الأشخاص أو الأموال.
3. إذا كان الأمر يتعلق بأفعال خطيرة، أو إذا كان حجم الضرر الذي أحدثته الجريمة جسيما.
4. إذا كانت الوسيلة المستعملة في ارتكاب الفعل خطيرة.
من واجب وكيل الملك تعليل قراره، لتتمكن الهيئة القضائية التي ستنظر في صحة قراره من تقييمه. فالمادة 47-2 قررت أن من حق المتهم أو دفاعه الطعن في الأمر بالإيداع بالسجن الصادر عن وكيل الملك، وفق ما هو مقرر أعلاه، أمام هيئة الحكم التي ستبت في القضية، وفي حالة تعذر ذلك يتم تشكيل هيئة من ثلاثة قضاة لتبت في الطعن إلى غاية اليوم الموالي لصدور الأمر بالإيداع بالسجن. وتكون مهمة هذه الهيئة التحقق من توفر الشروط القانونية المستند إليها في قرار الإيداع، وتأمر برفع حالة الاعتقال في حالة عدم توفر شروطها بمقتضى قرار مستقل، ويكون هذا القرار قابلا للطعن بالاستئناف؛ غير أن طعن النيابة العامة يُبقي المتهم في حالة اعتقال إلى غاية بتّ غرفة الجنح الاستئنافية بمحكمة الاستئناف في الطعن.
قررت المادة 47-2 أن الحكم بالرفض لا يحول دون الاستئناف كما سبق بيانه، كما أنه لا يحول دون طلب الإفراج المؤقت لاحقا.
وبالنسبة لقضاء التحقيق، فقد أصبح اختياريا حسب تقدير وكيل الملك، مع الاقتصار على الجرائم المنصوص عليها في المادة 108، وفي حالة وجود نص خاص. ومعلوم أن جريمتي النصب وخيانة الأمانة، على سبيل المثال، غير منصوص عليهما في المادة المذكورة، وهو ما سيؤدي إلى أن تصبح هاتان الجريمتان، اللتان كان كثيرا ما يحقَّق بشأنهما أمام قاضي التحقيق، غير مشمولتين باختصاصه في القانون الجديد، وهو مسلك تشريعي غير موفَّق؛ إذ كان على المشرع ألّا يقصر التحقيق على الجرائم المنصوص عليها في المادة 108، بل يُبقي على ما كان مقررا لوكيل الملك من حق في الإحالة الاختيارية بالنسبة للجنح التي يكون الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها خمس سنوات فأكثر.
ومع ذلك، فإني أؤكد على أهمية إجراء التحقيق التكميلي المقرر في المادة 362، كلما اكتنفت القضيةَ غموضٌ أو لابستها معطيات تتطلب تعميق التحقيق بشأنها وفك تعقيداتها.
في هذا السياق، أصبح قاضي التحقيق ملزما بمقتضى المادة 175 ألّا يأمر بالاعتقال الاحتياطي، باعتباره تدبيرا استثنائيا، إلا إذا ظهر له أنه تدبير ضروري لأسباب محددة عددها ثمانية، عندما يتعذر تطبيق تدبير آخر بديل عنه، وذلك بمقتضى قرار كتابي يبيّن الأسباب المبررة للاعتقال. هذا، مع العلم أنه بمقتضى المادة 161 تم استحداث تدبير جديد من تدابير المراقبة القضائية، وهو الوضع تحت المراقبة الإلكترونية، وهو إجراء يحدّ من حرية الأشخاص وإن لم يبلغ درجة الاعتقال؛ حيث قررت المادة 174-2 أن القيد الإلكتروني يسمح برصد تحركات المتهم داخل الحدود الترابية التي يحددها قاضي التحقيق، مع العلم أن هذه المادة تُحال عليها المادة 40 المتعلقة بصلاحيات وكيل الملك الذي له الحق في الأمر بذلك بدوره، وبالتالي فإن وكيل الملك معني بهذا التدبير الذي نتمنى تفعيله بدل الاعتقال قدر الإمكان.
وبالطبع، فإن أمر قاضي التحقيق بالإيداع في السجن المتخذ بنص المادة 152 يمكن الطعن فيه بالاستئناف أمام الغرفة الجنحية، كما هو مقرر في المادة 223 من القانون الجديد.
تجدر الإشارة إلى أن أمد الاعتقال الاحتياطي أصبح في حدود شهر واحد، قابل للتمديد مرة واحدة فقط، وهو ما يعني الاقتصار على شهرين في الأقصى في الجنح، عوض مدة ثلاثة أشهر التي كانت مقررة في القانون القديم. وهو ما يستوجب الانتباه إلى ما تفضل به السيد رئيس النيابة العامة من توجيهات في الموضوع قبل يوم 8 من هذا الشهر الذي يمثل بداية نفاذ هذا القانون، كما هو معلوم، والذي لا تفصلنا عنه إلا ثلاثة أيام، وذلك باتخاذ ما يجب بشأن كل الحالات الخاصة بالمعتقلين احتياطيا لدى قضاء التحقيق، والذين سيكونون في هذا التاريخ قد استكملوا شهرين اثنين، وذلك إما بإحالتهم على المحكمة أو إطلاق سراحهم؛ ومثل ذلك بالنسبة لحالات المراقبة القضائية التي أصبحت محصورة في شهر واحد قابل للتمديد مرتين، أي في حدود ثلاثة أشهر فقط، وهو ما يعني وضع حدّ لكل تدابير المراقبة القضائية التي استوفت هذه المدة، بشكل إرادي من قبل من له الحق.
أصبح من حق الهيئة القضائية التي تنظر في القضية أن تقرر تلقائيا مدى استمرارية الاعتقال الاحتياطي أو تدابير المراقبة القضائية، وفق ما نصت عليه المادة 299 من القانون الجديد.
كما يجدر التذكير بأن المادة 618 من القانون الجديد اعتبرت أن المعتقل احتياطيا هو كل متهم في مرحلة التحقيق أو المحاكمة لم يصدر بعد في حقه حكم أو قرار قضائي. وبهذا التعريف الجديد سيتم إعادة صياغة الإحصاءات المتعلقة بعدد المعتقلين احتياطيا بشكل دقيق يتماشى مع ما هو مقرر دوليا، وهو ما سيجعل نسبة المعتقلين احتياطيا من مجموع الساكنة السجنية لا تتجاوز نسبة 15 إلى 20%.
ومن جملة المستجدات التشريعية التي ستؤدي إلى تعزيز حقوق الدفاع، ما نصت عليه المادة 139 من وجوب وضع ملف القضية المعروضة على قاضي التحقيق، ورقيا أو على دعامة إلكترونية، رهن إشارة محامي المتهم والطرف المدني قبل كل استنطاق أو استماع. كما نصت أيضا على حق محامي أي طرف منهما في الحصول، على نفقتهما، على نسخة من محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف، دون قيد أو شرط، شرط عدم تسليم أي نسخة من المحضر أو الوثائق للغير تحت طائلة العقوبات المقررة في الفصل 446 من القانون الجنائي، وذلك باستثناء قضايا الإرهاب والمسّ بأمن الدولة التي تم تنظيم موضوعها بمقتضيات خاصة. وهو ما سيحدّ من العديد من المشاكل التي تطرأ أحيانا بين قضاة التحقيق والدفاع.
تقرر بمقتضى المادة 67 إخضاع الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية لفحص طبي بعد إشعار النيابة العامة، إذا لاحظ الضابط عليه مرضا أو علامات أو آثارا تستدعي ذلك، ويُضاف التقرير الذي ينجزه طبيب مؤهل لممارسة الطب الشرعي، أو طبيب آخر في حالة تعذر ذلك، إلى المحضر المنجز المحال على النيابة العامة.
وبناء عليه، قررت المادة 74-1 أنه يجب على وكيل الملك، إذا طُلب منه إجراء فحص طبي من طرف المشتبه فيه أو محاميه، أو عاين هو بنفسه آثارا تبرر ذلك، أن يخضع المشتبه فيه لذلك الفحص الذي يجريه طبيب مؤهل لممارسة مهام الطب الشرعي أو طبيب آخر في حالة تعذر ذلك. وهنا يجب التأكيد على أن الطب الشرعي هو الطب المعتمد من قبل الآليات الأممية، خصوصا وأن بروتوكول إسطنبول هو المؤطر لعمله، وهو ما لا يحيط به إلا هذا الصنف من الأطباء. وإذا كان النص قد أذن بانتداب طبيب آخر، فإن ذلك ينبغي ألّا يقع إلا في حالة عدم وجود طبيب شرعي، كما هو الحال في بعض المناطق البعيدة في المملكة، على خلاف الدار البيضاء التي يجب فيها اعتماد الأطباء الشرعيين وحدهم في موضوع ادعاء التعذيب.
ولأن المملكة المغربية قررت الالتزام بتنفيذ اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية… التي صادقت عليها ونشرتها في الجريدة الرسمية، فإن القانون الجديد، تطبيقا لمقتضياتها، قرر في الفقرة الأخيرة من المادة 74-2 أن اعتراف المتهم المدون في محضر الشرطة القضائية يكون باطلا في حالة رفض الفحص الطبي إذا كان قد طلبه المتهم أو دفاعه وفقا للفقرات الثامنة والتاسعة منها.
لذلك ينبغي أولا ألا تتردد النيابة العامة في اتخاذ القرار الواجب بعرض المتهم على الطب الشرعي إذا طُلب منها ذلك. وثانيا، ألّا يتردد القضاء في ترتيب البطلان في حالة عدم القيام بذلك، حماية للأمن الجسدي للناس من جهة، ولسلامة المسطرة من جهة ثانية، وأخيرا صونا لسمعة الدولة الحقوقية في علاقتها بالتزاماتها الدولية، تأكيدا لموقفها المناهض للتعذيب الممنهج الذي أصبح جزءا من الماضي المؤلم.
في إطار تعزيز حقوق الدفاع، تجدر الإشارة إلى أن المادة 314 نصت على أن تخلف المتهم عن الحضور أو غيابه عن الجلسة لا يحول دون حقه في الدفاع والاستماع إلى مرافعة محاميه من طرف المحكمة، ولا يخفى ما لهذا المقتضى من أهمية بالنسبة لحقوق الدفاع، خاصة وأنه جاء ليزكي اجتهادا لمحكمة النقض قرر هذا المعنى.
نصت المادة 40 على إجراء في غاية الأهمية، كان قد عولج سنة 2013 من خلال منشور صدر عن وزير العدل والحريات، وهو أن وكيل الملك، الذي منحه القانون حق الأمر بنشر برقيات البحث على الصعيد الوطني في حق الأشخاص المشتبه فيهم أو لضرورة تنفيذ مقررات قضائية بعقوبات سالبة للحرية أو في إطار الإكراه البدني، أوجب عليه هذا القانون الجديد القيام تلقائيا، أو بناء على طلب من له مصلحة في ذلك، بالسهر على إلغاء برقية البحث، خاصة بسبب تقادم الجريمة أو العقوبة المقررة.
وقد أصدر رئيس النيابة العامة دورية في الموضوع قبل بدء نفاذ هذا القانون، وعلى إثر ذلك تم إلغاء عشرات الآلاف من برقيات البحث في جميع أرجاء المملكة.
ثانيا: تعزيز نجاعة العدالة الجنائية والرفع من مستوى تحديثها
وذلك من خلال تبسيط المسطرة التصالحية وتوسيع وعائها.
قررت المادة 41-1 من القانون الجديد إمكانية سلوك مسطرة الصلح إذا تعلق الأمر بجنحة معاقب عليها بسنتين حبسا أو أقل، وبغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى مائة ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، أو بجنحة من الجنح المنصوص عليها في مجموعة من الفصول على سبيل الحصر، أو إذا نص القانون صراحة على ذلك بالنسبة لجرائم أخرى.
وهكذا سيتسع الصلح ليشمل الكثير من الجنح المتعلقة بالعنف والجرائم المالية كالنصب وخيانة الأمانة وإصدار شيك بدون مؤونة وغيرها. ولا يتم إجراء مسطرة الصلح إلا بناء على تراضي الطرفين، حيث يُحرَّر محضر بذلك يوقع عليه الطرفان إلى جانب توقيع وكيل الملك، ويتضمن المحضر ما اتفق عليه الطرفان، ويجوز لوكيل الملك أن يقرر أداء المشتكى به غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانونا للجريمة، كما يمكنه ألّا يقرر ذلك.
وجدير بالذكر أنه في حالة عدم حضور الشخص المتضرر، وتوفر الملف على تنازله المكتوب، أو في حالة عدم وجود مشتكي إذا تعلقت الجريمة بحق عام فقط، مثلا، فإن وكيل الملك يمكنه اقتراح صلح على المشتبه فيه بأداء غرامة لا تتجاوز نصف الحد الأقصى المقرر للجريمة أو إصلاح الضرر الناتج عن أفعاله، وفي حالة موافقته يتم تحرير محضر يتضمن ما تم الاتفاق عليه ويوقع وكيل الملك والمعني بالأمر على المحضر.
هذه المسطرة، مسطرة الصلح، توقف إقامة الدعوى العمومية، غير أنه يمكن لوكيل الملك إقامة الدعوى العمومية في حالة عدم الوفاء بالالتزامات المتصالح عليها.
نصت المادة 372 على أنه إذا كان الأمر يتعلق بمتابعة من أجل جنحة من الجنح المنصوص عليها في المادة 41-1، أي الجنح القابلة لإجراء مسطرة الصلح، فإن المحكمة المعروض عليها الملف يمكنها، تلقائيا أو بناء على ملتمس النيابة العامة أو الأطراف، أن توقف سير إجراءات الدعوى العمومية في حالة تنازل الطرف المتضرر من الفعل الجرمي عن شكايته، ما لم تكن المحكمة قد بتّت فيها بحكم نهائي.
حتى في حالة صدور حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به يقضي بعقوبة سالبة للحرية من أجل جنحة من الجنح المنصوص عليها في المادة 41-1، فإنه يمكن للنيابة العامة، تلقائيا أو بناء على طلب المعني بالأمر أو دفاعه، في حالة تنازل المشتكي أو المتضرر من الفعل الجرمي وأداء قيمة الغرامات والمصاريف القضائية، أن تتقدم بملتمس للمحكمة المصدرة للحكم يرمي إلى إيقاف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية، وإذا كان المحكوم عليه مودعا بالمؤسسة السجنية فإن المحكمة تأمر بالإفراج عنه.
هذه المقتضيات تمثل تطورا هاما على صعيد تعزيز العدالة التصالحية، ويمكن أن تخفف بعض الأعباء عن العدالة، خاصة إذا انخرط فيها الجميع بإيجابية: قضاة ومحامون.
من بين المقتضيات الجديدة ما ورد في المادة 304 من إمكانية الاستفادة من النظام التقني المعتمد لتسجيل كل ما راج بالجلسة، حيث تُفرَّغ التسجيلات في محاضر قانونية تكون لها نفس حجية المحاضر المحررة يدويا.
كما نصت المادة 24 على المعالجة المعلوماتية للمحاضر بواسطة شكل يحدده قرار مشترك لوزير العدل والسلطة الحكومية المشرفة إداريا على محرِّر المحضر بعد استطلاع رأي رئيس النيابة العامة. وأضافت أنه يمكن لهذا الغرض أن يكون المحضر مذيلا بالتوقيع الإلكتروني أو الرقمي لمحرره وللشخص المستمع إليه. ومع أن الأمر ميسور بالنسبة للأول، فإنه بالنسبة للثاني يثير عدة تساؤلات في ظل التخلف الرقمي الذي تعيشه البلاد.
نصت المادة 365 على إمكانية تذييل الأحكام والقرارات والأوامر بالتوقيع الإلكتروني أو الرقمي لكل من رئيس الهيئة وكاتب الضبط، وهو ما يفتح المجال لإنجاز المحكمة الرقمية التي طال انتظارها.
وأخيرا، يجدر التذكير في هذا الباب بأن القانون الجديد أحدث القسم الخامس (المواد 595-11 وما يليها) ويهم استعمال تقنيات الاتصال عن بعد، وذلك بالنسبة للنيابة العامة أو قاضي التحقيق أو المحكمة؛ حيث إنه إذا وجدت أسباب جدية، يمكن الاستماع عن بعد، بعد موافقة الشخص المراد الاستماع إليه (المتهم أو الضحية أو الطرف المدني أو الشاهد أو الترجمان…).
ثالثا: تقوية الآليات القانونية لمحاربة الجريمة
من ضمن الاختصاصات الجديدة للنيابة العامة ورئاسة المحكمة أن وكيل الملك أصبح بإمكانه أن يطلب من رئيس المحكمة إصدار أمر، في إطار الأوامر المبنية على طلب، بعقل عقار مرتبط بفعل جرمي، ويقبل هذا الأمر الطعن بالاستئناف داخل أجل ثمانية أيام من تبليغه، دون أن يكون للطعن بالاستئناف أثر موقف للتنفيذ.
كما أن لوكيل الملك الحق في الأمر بإجراء بحث مالي موازٍ في الجرائم التي يُشتبه في كونها تدرّ عائدات مالية لتحديد مصدر وتاريخ تملك الأموال وعلاقتها بالجريمة، وله أن يأمر بحجز جميع الأموال والممتلكات المتحصلة من الجريمة… ويمكن، بمقرر معلل لوكيل الملك، تلقائيا أو بناء على طلب من له مصلحة، أن يأمر برفع الحجز أو العقل أو التجميد لكل ما ثبت أنه لا علاقة له بالجريمة، أو أنه يتعلق بحقوق الغير حسن النية. ويحق لمن يهمه الأمر الطعن في قرار وكيل الملك أمام رئيس المحكمة الذي يصدر قرارا لا يقبل أي طعن.
تعزّزت سلطات النيابة العامة بأن أصبح من حقها الأمر بإجراء خبرة جينية أو بيولوجية للأشخاص المشتبه فيهم، والإذن بالولوج إلى الأنظمة المعلوماتية، وبإجراء خبرة تقنية لتحليل الآثار الرقمية لاستخراج البيانات والأدلة الإلكترونية والرقمية ذات الصلة بالجرائم.
كما أنه أصبح، بمقتضى المادة 108، بإمكان وكيل الملك أن يطلب من الوكيل العام للملك، إذا تعلق الأمر بجنحة، أن يتقدم بملتمس كتابي إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، إذا اقتضت ضرورة البحث ذلك، لإصدار أمر بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد، وذلك إذا تعلق الأمر بالجرائم الخطيرة المنصوص عليها في المادة المذكورة.
جدير بالذكر أن المادة 116-1، التي تتعلق بوضع الوسائل التقنية اللازمة لتحديد مواقع المشتبه فيهم ورصد تحركاتهم أو تسجيل العبارات المتفوَّه بها في أماكن أو وسائل نقل خاصة أو عمومية أو التقاط صور لشخص أو عدة أشخاص…، اقتصرت على الوكيل العام للملك وقاضي التحقيق، ولم تنص على وكيل الملك؛ لكن المادة 116-3 نصت على أنه يمكن للوكيل العام للملك أو لوكيل الملك أو لقاضي التحقيق، لأجل وضع الوسائل اللازمة لتنفيذ المقرر المتخذ طبقا للمادة 116-1، الإذن بالدخول إلى وسيلة النقل أو المكان الخاص… وهو عيب في الصياغة، يبدو منه وقوع سهو في إسناد الحق لوكيل الملك، كما للوكيل العام وقاضي التحقيق، في الإذن لضابط الشرطة القضائية للقيام بما هو مقرر في المادة 116-1.
من جملة الآليات القانونية المستحدثة في القانون الجديد آلية الاختراق التي يأذن بها وكيل الملك، كما الوكيل العام للملك، لضابط الشرطة، حيث يكون بإمكانه، من أجل ضبط المجرمين، التظاهر بأنه فاعل أو مساهم أو مشارك أو مستفيد من الأفعال الإجرامية إذا تعلق الأمر بجرائم المادة 108، وذلك باستعمال هوية مستعارة عند الاقتضاء. وقد تم تنظيم هذه الآلية بمقتضى المادة 82-3-1 وما يليها إلى المادة 82-3-6.
ومن جهة أخرى، فقد أصبح من حق ضباط الشرطة القضائية، وبأمر منهم وتحت مسؤوليتهم، لأعوان الشرطة القضائية، التحقق من هوية الأشخاص المشتبه في ارتكابهم أو محاولة ارتكابهم الجريمة أو الذين يشكلون تهديدا للأمن العام أو للأشخاص أو الممتلكات… ويمكن اقتياد الشخص الذي يرفض الإدلاء بهويته أو يتعذر التعرف عليها إلى مقر الشرطة القضائية من أجل التحقق من هويته، على ألا تتجاوز فترة الإيقاف أربع ساعات قابلة للتمديد أربع ساعات أخرى بإذن من وكيل الملك، مع العلم أنه يمكن للضابط أخذ البصمات، بما فيها البصمات الجينية، بعد إشعار وكيل الملك.
رابعا: مستجدات مختلفة
من ذلك، كما هو معلوم، ما قررته المادة 3 من أن النيابة العامة بكافة مكوناتها لم يعد بإمكانها الأمر بإجراء الأبحاث أو إقامة الدعوى العمومية بشأن الجرائم الماسة بالمال العام إلا إذا طُلب منها ذلك من طرف رئيس النيابة العامة، الذي لا يجوز له ذلك إلا بناء على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات وغيره من المؤسسات التي عددها النص.
غير أنه إذا تعلق الأمر بحالة التلبس، فإنه يكون من حق النيابة العامة المختصة أن تمارس اختصاصاتها العادية في الموضوع.
أما الجمعيات، فلم يعد بإمكان القضاء أن يقبل انتصابها طرفا مدنيا إلا إذا حصلت على إذن بالتقاضي من وزارة العدل، بناء على ما سيتم تحديده من كيفيات بواسطة نص تنظيمي.
قررت المادة 15 أحقية النيابة العامة في إطلاع الرأي العام على مستجدات القضايا والإجراءات المتخذة بشأنها، بشرط عدم تقييم الاتهامات الموجهة إلى المشتبه فيهم حفاظا على قرينة البراءة، كما يجوز للنيابة العامة أن تأذن في ذلك للشرطة القضائية بشرط عدم الكشف عن هويات المشتبه فيهم.
تقرر تعيين قاضٍ أو أكثر للقيام بمهام الناطق الرسمي باسم المحكمة للتواصل مع الرأي العام. وقد قامت رئاسة النيابة العامة، الأسبوع الماضي، بإنجاز اتفاقية مع المعهد العالي للإعلام لتدريب القضاة المعنيين، وتم البدء في التكوين على ذلك، وهي مبادرة محمودة لرئاسة النيابة العامة.
تجدر الإشارة إلى أن المقتضيات الجديدة حسمت في بعض ما كان يكتنفه الغموض في عدة مستويات؛ ومن ذلك أن قاضي التحقيق، إذا كان يقوم بإجراءات التحقيق ضد مجهول، فإنه لا يجوز الاستماع إلى أي شخص إلا بصفته شاهدا، وبحضور محاميه إذا أراد ذلك.
كما حسم القانون الجديد في كيفية الاستماع إلى الضحية أو المطالب بالحق المدني، حيث نص صراحة على أن ذلك يكون دون أداء اليمين القانونية (المادتان 123 و137).
حسم القانون الجديد أيضا في شكليات تقديم شكاية مع الانتصاب طرفا مدنيا في المادة 92، وقد تم التخفيف منها على خلاف ما كان يجري به العمل قضائيا، وإن كان ذلك سيؤدي إلى بعض المشاكل بخصوص ضبط هوية المتهم، الذي اشترط القانون بشأنه بيان الاسم العائلي والشخصي ومهنته وعنوانه عند الاقتضاء فقط، مع العلم أنه في حالة عدم حضوره أمام القضاء وضبط هويته سيكون من المتعذر تنفيذ الكثير من الأحكام لتشابه الأسماء.
على صعيد وسائل الإثبات، تقرر في المادة 286 أنه لا يجوز للمحكمة أن تبني قناعتها بالإدانة على تصريحات متهم ضد آخر إلا إذا كانت معززة بقرائن قوية ومنسجمة، كما أنها تتلقى هذه التصريحات دون أداء اليمين القانونية.
أما المادة 290، ذات الأهمية الخاصة في الإثبات الجنحي، فقد تم الاكتفاء باستبدال عبارة « يوثَق » بعبارة « يُعتد »، وهو ما سيلقي على القضاء عبء الاجتهاد الذي نرجو أن يكون خلاّقا في الموضوع.
بالنسبة للأحكام الغيابية، فإن الاستئناف يعتبر تنازلا عن الحق في التعرض (المادة 393)، مما سيجعل أي تعرض مع الاستئناف يجعل التعرض غير مقبول، وهو ما سيؤدي إلى تبسيط المساطر وتعزيز النجاعة القضائية.
تم إحداث الفرع الثاني مكرر مرتين خاص بقضاء القرب، الذي يهم البتّ في المخالفات؛ حيث تُعقد الجلسات بقاضٍ منفرد بمساعدة كاتب الضبط، واعتُبر حضور ممثل النيابة العامة اختياريا إذا تقدمت بملتمسات كتابية، كما نص على أن المتضرر من الحكم يمكنه المطالبة بإلغائه أمام رئيس المحكمة في حالات حددتها المادة 383-9.
بالنسبة للأحداث، فإن أهم ما تم النص عليه في القانون الجديد، فيما يخص مرتكبي الجنح، أنه لا يمكن إيداعهم في مؤسسة سجنية إلا إذا استوفوا سن ستة عشر سنة كاملة.
أخيرا، فإن المادة 751، التي تهم الإجراء الذي لم يُثبَت إنجازه على الوجه القانوني، نصت على أن هذا الإجراء يعتبر كأنه لم يُنجَز، وأضافت: « ولا يُعتدّ به »، كما أضافت فقرة جديدة مفادها أن الجهة القضائية المختصة ترتّب الجزاء المذكور

