ابن الخطاب فاطنة .سطات
لم تعد كرة القدم، خصوصًا في القارة السمراء، تعترف بمنطق الكبار والصغار. انتهى زمن المباريات السهلة، وذابت الفوارق الورقية أمام واقع الملعب، حيث العرق والانضباط والروح القتالية تصنع الفارق أكثر من الأسماء والتاريخ. وما شاهدناه في هذه الدورة خير دليل على ذلك.
المنتخب المغربي، بما يملكه من نجوم محترفين في أكبر الدوريات الأوروبية، وجد نفسه يعاني قبل أن يحقق الفوز على تنزانيا. والمنتخب المصري، صاحب الرقم القياسي في التتويج، لم يكن حاله أفضل، إذ اضطر لبذل مجهود شاق لتجاوز عقبة بنين. رسائل واضحة وصلت للجميع: لا أحد يفوز مسبقًا، ولا مباراة تُحسم على الورق.
هذا التحول ليس وليد الصدفة. المنتخبات التي كانت تُصنّف يومًا ما “أسماكًا صغيرة” تطورت فنيًا وبدنيًا، وراكمت خبرات قارية، وأصبحت تدخل المباريات بلا عقدة نقص، بل بثقة ورغبة حقيقية في الإطاحة بالكبار. كرة القدم الإفريقية اليوم أكثر شراسة، أكثر تكتيكًا، وأقل رحمة.
وسط هذا المشهد المتقلب، يبرز منتخب الكونغو الديمقراطية كأحد أخطر مفاجآت الدورة، إن لم يكن أخطرها على الإطلاق. منتخب لا يضج بالضجيج الإعلامي، لكنه يتحرك بهدوء قاتل، كـ“قرش عنيد” يشق المياه دون أن يلفت الانتباه، قبل أن ينقض في اللحظة المناسبة.
قوة الكونغو الديمقراطية لا تكمن فقط في الأسماء، بل في الشخصية. فريق منظم، صلب دفاعيًا، سريع في التحول، ويعرف كيف يدير إيقاع المباراة بذكاء. لاعبوه يمتلكون بنية بدنية قوية، وانضباطًا تكتيكيًا عاليًا، والأهم: إيمان راسخ بقدرتهم على الذهاب بعيدًا.
هذا المنتخب لا يخيف خصومه بالاستحواذ، بل بالواقعية. لا يستهلك طاقته فيما لا يفيد، وينتظر الخطأ ليعاقب بلا تردد. لذلك، فإن الاستهانة به قد تكون خطيئة كروية لا تُغتفر، خصوصًا في الأدوار الإقصائية حيث التفاصيل الصغيرة تصنع الأبطال.
الدورة الحالية تؤكد حقيقة واحدة: من يريد اللقب عليه أن يقاتل في كل دقيقة، وأن يحترم كل خصم، وأن يستعد للأسوأ قبل أن يحلم بالأفضل. وفي خضم هذا الصراع المفتوح، يظل منتخب الكونغو الديمقراطية فرس الرهان الحقيقي… قرشًا عنيدًا قد يلتهم أحلام الكبار إن لم ينتبهوا جيدًا.











