في عالم تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح، حيث أصبح الإعلام في كثير من الأحيان رهيناً لمعادلات التمويل والتأثير، يبرز اسم الشريف محمد مومن كأحد الوجوه التي اختارت منذ البداية طريقاً مختلفاً، طريق الالتزام والاستقلالية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الحقيقة، ولا اعتبار يسبق مصلحة الوطن والمواطن.
إن الحديث عن 36 سنة من العطاء الإعلامي ليس مجرد استعراض زمني لمسار مهني، بل هو استحضار لمسيرة نضالية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مسيرة تشكلت عبر محطات متعددة، واختُبرت فيها الإرادة في أصعب الظروف، وتكرس فيها الإيمان العميق بدور الإعلام كسلطة رقابية وشريك أساسي في البناء الديمقراطي.
منذ البدايات الأولى، لم يكن المشروع الإعلامي الذي حمله الشريف محمد مومن مجرد فكرة عابرة، بل كان رؤية واضحة المعالم، قائمة على تأسيس إعلام مستقل قادر على مواكبة قضايا المجتمع، والتفاعل مع هموم المواطنين، بعيداً عن كل أشكال التوجيه أو الاصطفاف.
وقد تجسد هذا الطموح في إطلاق وتطوير مجموعة الصدى السياسي الإعلامية، التي شكلت على مر السنوات منبراً حراً ومسؤولاً، يجمع بين المهنية والجرأة.
لقد عايش هذا المسار تحولات عميقة عرفها الحقل الإعلامي، من زمن الصحافة الورقية التي كانت تتطلب جهداً مضاعفاً في الطباعة والتوزيع، إلى زمن الإعلام الرقمي الذي فتح آفاقاً جديدة لكنه في المقابل فرض تحديات أكثر تعقيداً، خاصة فيما يتعلق بسرعة نقل المعلومة ومصداقيتها. وبين هذين العالمين، استطاع الشريف محمد مومن أن يحافظ على توازن دقيق، يجمع بين الأصالة والتجديد.
ولعل من أبرز ما يميز هذه التجربة، هو الاستمرارية في ظل غياب الدعم، وهو معطى لا يمكن التقليل من أهميته. فالإعلام، بطبيعته، يحتاج إلى موارد لضمان الجودة والاستمرارية، لكن عندما تغيب هذه الموارد، يصبح الرهان على الإرادة والعزيمة. وهو ما جسده هذا المسار بوضوح، حيث استمرت المجموعة الإعلامية في أداء رسالتها رغم محدودية الإمكانيات، معتمدة على روح الالتزام وعلى إيمان راسخ بقيمة الكلمة.
إن غياب الدعم لم يكن مجرد عائق مادي، بل كان أيضاً اختباراً حقيقياً للموقف، حيث كان من الممكن الانخراط في خيارات سهلة تضمن الاستمرارية المالية، لكنها قد تمس بجوهر الاستقلالية. غير أن الشريف محمد مومن اختار الطريق الأصعب، مفضلاً الحفاظ على خط تحريري حر، يضع المصداقية فوق كل اعتبار.
وقد جعل هذا الاختيار من مجموعة الصدى السياسي الإعلامية صوتاً مختلفاً داخل المشهد الإعلامي، صوتاً قريباً من نبض الشارع، يعكس انشغالات المواطنين، ويسلط الضوء على القضايا التي قد لا تحظى بالاهتمام الكافي في وسائل إعلام أخرى. كما ساهمت في فتح نقاشات جريئة حول قضايا محلية ووطنية، في إطار من المسؤولية واحترام الضوابط المهنية.
ولم تقتصر هذه التجربة على الإنتاج الإعلامي فقط، بل امتدت لتشمل المساهمة في تأطير وتكوين جيل جديد من الصحفيين، حيث شكلت المجموعة فضاءً للتعلم والتجربة، ومنصة لانطلاق العديد من الأقلام الشابة التي وجدت فيها فرصة لإبراز قدراتها وصقل مهاراتها.
وفي خضم التحولات الرقمية المتسارعة، التي غيرت من طبيعة العمل الصحفي، لم يقف الشريف محمد مومن موقف المتفرج، بل انخرط في عملية تطوير مستمرة، ساعياً إلى توظيف الوسائط الرقمية لتوسيع دائرة التأثير والوصول إلى جمهور أوسع، مع الحفاظ على نفس الروح المهنية التي طبعت العمل منذ البداية.
غير أن هذا التحول لم يكن سهلاً، إذ تطلب مواكبة تقنية ومعرفية، في ظل منافسة شرسة من منصات إعلامية كبرى، ومن وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت تلعب دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام. ورغم ذلك، ظل الرهان قائماً على جودة المحتوى، باعتبارها العنصر الأساسي في كسب ثقة الجمهور.
ومن زاوية أخرى، تبرز هذه التجربة كجزء من نضال أوسع من أجل ترسيخ إعلام حر ومسؤول، قادر على القيام بدوره في مراقبة الشأن العام، والمساهمة في تعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو ما يجعلها تتجاوز البعد المهني لتلامس البعد المجتمعي، حيث يصبح الإعلام أداة للتغيير الإيجابي.
كما أن ارتباط هذا المسار بقضايا المجتمع، وانفتاحه على مختلف الفاعلين، من منتخبين وفعاليات مدنية ومواطنين، جعله أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على نقل الصورة الحقيقية لما يجري على الأرض، بعيداً عن التزييف أو التهويل.
وفي سياق يعرف تحديات متزايدة، من انتشار الأخبار الزائفة إلى تراجع ثقة الجمهور في بعض وسائل الإعلام، تكتسي التجارب الجادة أهمية خاصة، باعتبارها تشكل نقطة توازن داخل المشهد الإعلامي. وهنا تبرز قيمة مسار الشريف محمد مومن، الذي ظل وفياً لخطه التحريري، متمسكاً بأخلاقيات المهنة، رغم كل الإكراهات.
إن 36 سنة من العمل المتواصل دون دعم، ليست فقط دليلاً على الصمود، بل هي أيضاً رسالة قوية مفادها أن الإعلام يمكن أن يستمر بالإرادة والإيمان، حتى في غياب الإمكانيات. وهي رسالة موجهة لكل من يؤمن بدور الكلمة في بناء الوعي، وفي الدفاع عن القضايا العادلة.
ولا شك أن هذه المسيرة، بكل ما تحمله من تحديات وإنجازات، تستحق التوقف عندها، ليس فقط للاحتفاء بها، بل أيضاً لاستخلاص الدروس منها، خاصة في ظل الحاجة إلى نماذج ناجحة في مجال الإعلام المستقل.
لقد أثبتت هذه التجربة أن الاستقلالية ليست شعاراً يُرفع، بل ممارسة يومية تتطلب شجاعة وصبراً، وأن الكلمة الحرة لا يمكن أن تعيش إلا في ظل التزام حقيقي بقيم المهنة.
وفي النهاية، يمكن القول إن الشريف محمد مومن لا يمثل فقط تجربة إعلامية ناجحة، بل يجسد أيضاً نموذجاً للإعلامي الذي اختار أن يكون صوتاً للناس، لا صدى للسلطة أو المال، وأن يجعل من مهنته رسالة، ومن قلمه أداة للدفاع عن الحقيقة.
إنها مسيرة عنوانها الوفاء للمبادئ، والإيمان بدور الإعلام، والاستمرار رغم كل الصعاب، وهي قيم تجعل من هذا المسار علامة فارقة في المشهد الإعلامي، ودليلاً على أن الكلمة الحرة، مهما اشتدت عليها الضغوط، قادرة على الصمود والاستمرار.
✍️بقلم: رشيد هيلال

