الشريف سيدي مومن بنعلي.
في عالم الفيزياء الحديثة، اعتاد العلماء التعامل مع الزمن باعتباره واحدا من أكثر الكميات ثباتا ودقة، خاصة مع التطور الهائل الذي عرفته الساعات الذرية القادرة على قياس أجزاء متناهية الصغر من الثانية. لكن دراسة حديثة نشرت في دورية Physical Review Research تقترح فكرة أكثر غرابة: ماذا لو كان الزمن نفسه يحمل قدرا أساسيا من “الضبابية” أو اللايقين؟
وتعيد هذه الدراسة إحياء أحد أعمق الأسئلة في ميكانيكا الكم، والمتعلق بكيفية انتقال الأنظمة الكمومية من عالم الاحتمالات إلى الواقع المحدد الذي نراه ونقيسه.
في الفيزياء الكلاسيكية، تبدو الأشياء واضحة ومحددة؛ فالعملة المعدنية مثلا تكون إما “صورة” أو “كتابة” بعد سقوطها. أما في العالم الكمومي، فإن الجسيمات الدقيقة لا تتصرف بهذه البساطة، إذ يمكنها أن توجد في أكثر من حالة في الوقت نفسه، وهي الظاهرة المعروفة باسم “التراكب الكمومي”.
ولتقريب الفكرة، يستخدم الفيزيائيون أحيانا تشبيه العملة المعدنية، حيث يمكن تخيلها – على المستوى الكمومي – في حالتي “الصورة” و”الكتابة” معا إلى أن يتم قياسها. وعند لحظة القياس فقط، تظهر نتيجة واحدة محددة، وهي العملية التي تعرف بـ”انهيار الدالة الموجية”.
غير أن هذا التفسير ظل لعقود يطرح إشكالا فلسفيا وعلميا معقدا: هل القياس وحده هو ما يجبر الجسيم على اختيار حالة معينة؟ أم أن هناك آلية طبيعية خفية تدفع الأنظمة الكمومية إلى فقدان التراكب والتحول إلى حالة واقعية محددة؟
الدراسة الجديدة تميل إلى الاحتمال الثاني، وتقترح أن الزمن ذاته قد لا يكون مستمرا ودقيقا بشكل مطلق، بل ربما يحتوي على قدر ضئيل جدا من التشوش أو التقلب العشوائي، وهو ما قد يؤدي تلقائيا إلى انهيار الحالات الكمومية دون الحاجة إلى “مراقب” أو عملية قياس مباشرة.
ويرى الباحثون أن أي “ضبابية” أساسية في الزمن، حتى وإن كانت صغيرة بشكل لا يمكن رصده حاليا، قد تؤثر على استقرار الحالات الكمومية شديدة الحساسية، ما يؤدي تدريجيا إلى اختفاء التراكب وتحول النظام إلى حالة واحدة قابلة للرصد.
وتحظى هذه الفكرة باهتمام متزايد لأنها تمس واحدة من أقدم المعضلات في الفيزياء النظرية، وهي العلاقة بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة. ففي حين تصف النسبية الزمن باعتباره بعدا هندسيا سلسا ومستمرا، توحي بعض أفكار فيزياء الكم بأن الواقع على المستويات المتناهية الصغر قد يكون أكثر اضطرابا مما نتصور.
ورغم أن هذه الفرضيات لا تزال نظرية ولم تُثبت تجريبيا بعد، فإنها تفتح الباب أمام تصور جديد لطبيعة الزمن نفسه، ليس فقط كأداة لقياس الأحداث، بل كعنصر قد يلعب دورا مباشرا في تشكيل الواقع الفيزيائي.
ويعتقد علماء أن التقدم المستقبلي في تقنيات الساعات الذرية والتجارب الكمومية فائقة الدقة قد يسمح يوما ما باختبار هذه الأفكار، وربما الكشف عما إذا كان الزمن بالفعل “ناعما” كما تصفه الفيزياء التقليدية، أم أنه يحمل في أعماقه قدرا خفيا من اللايقين.

