الرئيسيةسياسةحين يتحدث البعض باسم “القواعد بسطات “.. من منحهم هذا التفويض؟
سياسة

حين يتحدث البعض باسم “القواعد بسطات “.. من منحهم هذا التفويض؟

في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر بسرعة البرق، وأصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي والمنابر الرقمية قادرة على التأثير في الرأي العام خلال دقائق معدودة، تزداد المسؤولية الأخلاقية والمهنية الملقاة على عاتق كل من يشتغل في مجال الإعلام والتواصل وصناعة المحتوى. فالكلمة لم تعد مجرد حروف تكتب أو تنشر، بل أصبحت قادرة على تشكيل المواقف والتأثير في القناعات وتوجيه النقاش العمومي نحو مسارات قد تكون إيجابية وقد تكون سلبية.

ومن هذا المنطلق تابعت، كما تابع غيري من المهتمين بالشأن العام المحلي والإقليمي، ما تم تداوله بشأن ما وصفه البعض بـ”غضب قواعد حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم سطات”، وهو توصيف يثير أكثر من سؤال، ليس فقط حول صحة المعلومة، وإنما أيضا حول الجهة التي نصبت نفسها متحدثة باسم تلك القواعد، وحول الأسس الموضوعية التي بني عليها هذا الاستنتاج.

إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة مثل هذه العناوين هو التساؤل المشروع: من هي هذه القواعد؟ وكيف تم استقراء موقفها؟ وهل تم إجراء لقاءات أو استشارات أو استطلاعات أو اجتماعات تنظيمية معلنة تثبت صحة هذا الطرح؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد قراءة شخصية أو تحليل سياسي خاص تم تقديمه للرأي العام في صيغة خبر أو حقيقة ثابتة؟

إن الحديث باسم القواعد الحزبية ليس بالأمر الهين، لأن القواعد في أي حزب سياسي تتكون من مئات وربما آلاف المناضلين والمتعاطفين والمنتخبين والأعضاء الذين تختلف آراؤهم وتصوراتهم ومواقفهم من قضية إلى أخرى. ولذلك فإن اختزال هذا التنوع كله في موقف واحد أو رأي واحد يعتبر أمرا يحتاج إلى كثير من التدقيق والحذر.

لقد أصبح من السهل في أيامنا هذه أن يتحدث البعض باسم المواطنين، وأن يتحدث آخرون باسم الشباب، وأن يتحدث غيرهم باسم المجتمع المدني أو باسم الأحزاب أو باسم الساكنة، لكن السؤال الذي يبقى مطروحا دائما هو: من منحهم هذا التفويض؟ ومن خول لهم حق مصادرة آراء الآخرين وتقديم أنفسهم باعتبارهم الناطقين الرسميين باسم الجميع؟

إن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على احتكار الكلام، بل تقوم على احترام التعدد والاختلاف وفسح المجال أمام الجميع للتعبير عن آرائهم ومواقفهم بكل حرية ومسؤولية. ولذلك فإن أي محاولة لاختزال إرادة مجموعة كبيرة من الناس في رأي فرد أو مجموعة محدودة تبقى محل نقاش وتساؤل.

وإذا انتقلنا إلى الشأن المحلي بإقليم سطات، فإن الجميع يعلم أن هذا الإقليم عرف عبر عقود طويلة حركية سياسية ومدنية مهمة، وأن أبناءه كانوا دائما حاضرين في مختلف المحطات الوطنية، سواء من خلال العمل السياسي أو النقابي أو الجمعوي أو الحقوقي. كما أن الإقليم يضم كفاءات وأطرا وشخصيات لها من الوعي والخبرة ما يجعلها قادرة على التعبير عن مواقفها بنفسها دون الحاجة إلى أوصياء يتحدثون باسمها.

إن ساكنة سطات اليوم لم تعد تقبل الخطابات الجاهزة ولا الأحكام المسبقة، بل أصبحت تبحث عن المعلومة الدقيقة والموثقة. ولهذا فإن أي حديث عن وجود رفض أو غضب أو احتجاج أو تأييد واسع يجب أن يكون مدعوما بمعطيات واضحة ووقائع ملموسة يمكن للرأي العام الاطلاع عليها والتحقق منها.

إننا لا ندافع عن شخص ولا نهاجم شخصا، ولا نقف مع طرف ضد طرف، لأن القضايا المرتبطة بالتدبير السياسي للأحزاب تبقى شأنا تنظيميا يهم أصحابها بالدرجة الأولى. لكن ما يهمنا كفاعلين حقوقيين ومدنيين هو احترام حق المواطن في الوصول إلى معلومة صحيحة ومتوازنة بعيدة عن التهويل والتضليل.

فالإعلام حين يكون مهنيا ومسؤولا يساهم في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويؤدي دورا محوريا في تعزيز قيم الشفافية والمحاسبة. أما حين يتحول إلى أداة لإنتاج الإثارة أو تضخيم الوقائع أو تقديم الاستنتاجات الشخصية في شكل حقائق مطلقة، فإنه يفقد جزءا مهما من رسالته النبيلة.

لقد نص الدستور المغربي على حرية التعبير وحرية الصحافة باعتبارهما من الحقوق الأساسية، وهي مكاسب ديمقراطية يجب الدفاع عنها وصيانتها. غير أن هذه الحرية لا يمكن أن تنفصل عن المسؤولية، لأن الحرية بدون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، كما أن المسؤولية بدون حرية قد تتحول إلى تقييد غير مبرر.

ومن هنا فإننا ندعو إلى ترسيخ ثقافة إعلامية تقوم على التوازن والإنصاف والتحقق من المعطيات قبل نشرها، لأن المواطن المغربي يستحق إعلاما يحترم عقله ويقدم له الحقيقة كما هي، لا كما يريدها هذا الطرف أو ذاك.
كما أن المرحلة التي يمر منها المغرب اليوم تتطلب من الجميع رفع مستوى النقاش العمومي والانشغال بالقضايا الحقيقية التي تؤرق المواطنين، من قبيل التشغيل والصحة والتعليم والتنمية والاستثمار ومحاربة الفساد وترسيخ دولة الحق والقانون، بدل إغراق الفضاء العمومي في سجالات هامشية وصراعات جانبية لا تضيف شيئا إلى النقاش الوطني.

إن النقد حق مشروع، بل هو ضرورة من ضرورات البناء الديمقراطي، لكن النقد الحقيقي يقوم على الحجة والدليل والوقائع، لا على الانطباعات والأحكام الجاهزة. كما أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة أو تشهير أو محاولة لإقصاء الآخر.

وإذا كانت هناك فعلا أصوات معارضة أو مؤيدة داخل أي حزب سياسي، فإن من حقها أن تعبر عن رأيها بكل حرية في إطار القوانين والضوابط التنظيمية المعمول بها. أما التحدث باسم الجميع دون سند واضح، فهو أمر يطرح أكثر من علامة استفهام ويستدعي مزيدا من التوضيح.

وفي الأخير، فإننا نعيد طرح السؤال نفسه الذي ينتظر الرأي العام جوابا صريحا وواضحا عنه: من هي هذه القواعد التي يتم الحديث باسمها؟ وهل عبرت فعلا عن هذا الموقف من خلال مؤسساتها وآلياتها التنظيمية؟ أم أن الأمر مجرد قراءة سياسية قابلة للنقاش مثل غيرها من القراءات؟

إن احترام ذكاء المواطنين يقتضي احترام حقهم في الحقيقة، واحترام الحقيقة يقتضي تقديم الوقائع كما هي، بعيدا عن التهويل وبعيدا عن صناعة البطولات الوهمية أو المعارك الافتراضية.

وستبقى سطات، كما كانت دائما، أرضا للرجال والنساء الأحرار، وفضاء للنقاش المسؤول، وموطنا للكفاءات التي تؤمن بأن خدمة الصالح العام لا تكون بالشعارات ولا بالعناوين المثيرة، بل بالعمل الجاد والصدق مع المواطنين واحترام عقولهم.

بقلم رشيد هيلال :مدون،كاتب، ناشط حقوقي…مدير تحرير مجموعة الصدى السياسي الإعلامية الورقية الاكترونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *