لا يحتاج الغياب دائمًا إلى قبر كي يعلن حضوره. أحيانًا يكفي حذاءٌ يطفو فوق الماء، فردةٌ وحيدة تدور مع الموج، رباطٌ مرتخٍ لم تعد يدٌ تشدّه، نعلٌ كان يعرف طريقه إلى البيت ثم فقد صاحبه والطريق معًا.
في هذه الصورة، لا يرفع البحر أمواجه، ولا يستعرض قوته، ولا يزمجر في وجه اليابسة. يبدو هادئًا إلى حدّ القسوة، كأن السطح الأزرق يخفي تحت سكينته حكاية أكبر من قدرة الكلمات على الاحتمال. تقترب العين من المشهد كما تقترب من لوحة غريبة، ثم يوقظها التفصيل فجأة.
لا تسبح فوق الماء أوراقٌ أو أخشابٌ متناثرة، وإنما أحذية حملت أقدامًا، وأقدام حملت أصحابها نحو أمكنة وأحلام ومواعيد. عندها يتراجع جمال زرقة البحر، ويظهر خلفه وجعٌ ثقيل؛ فالماء الذي يلمع تحت الشمس لا يستطيع أن يخفي ما يقوله هذا العدد الهائل من الأشياء الصامتة.

