الشريف سيدي مومن بنعلي
سبتة المحتلة – تتواصل التطورات الأمنية المرتبطة بوضعية المهاجرين في مدينة سبتة المحتلة، بعد توقيف السلطات الإسبانية أربعة مهاجرين مغاربة، من بينهم قاصر، للاشتباه في تورطهم في الاعتداء على عناصر من الجيش الإسباني بالحجارة، في حادث يعد الثاني من نوعه خلال أيام قليلة، ويأتي في سياق أمني وسياسي متوتر تشهده المدينة منذ موجة الدخول الجماعي للمهاجرين نهاية يوليوز الماضي.
ووفق المعطيات الأمنية الإسبانية، وقعت الحادثة فجر السبت بمنطقة «الشورييو»، بعدما تدخل عدد من العسكريين لإبعاد مجموعة من المهاجرين كانت تتسبب في اضطرابات بالمنطقة، فيما أظهرت على بعض أفرادها علامات السكر.
غير أن محاولة إبعاد المجموعة سرعان ما تحولت إلى مواجهة، بعدما قوبل تدخل العسكريين بمقاومة، قبل أن ينضم مهاجرون مغاربة آخرون إلى الواقعة ويقوموا برشق عناصر الجيش بحجارة كبيرة الحجم.
وأسفر الاعتداء عن إصابة رقيب في صفوف الجيش الإسباني بجروح وصفت بالطفيفة، بعدما أصابته إحدى الحجارة، فيما سارعت عناصر الشرطة الوطنية والحرس المدني إلى التدخل لاحتواء الوضع وتأمين المنطقة.
وتمكنت الأجهزة الأمنية من توقيف أربعة أشخاص يشتبه في مشاركتهم في الاعتداء، بينهم قاصر، بينما تواصل التحقيقات لتحديد هوية أشخاص آخرين يحتمل تورطهم في الواقعة.
ثاني اعتداء خلال أيام
ولا تبدو حادثة «الشورييو» معزولة، إذ تأتي بعد أيام قليلة فقط من واقعة مماثلة استهدفت عسكريين إسبان في منطقة بنزو.
فجر الخميس، تعرضت مركبة عسكرية إسبانية للرشق بالحجارة أثناء توجهها إلى نقطة للمراقبة، بعدما كانت متوقفة عند إشارة ضوئية، قبل أن يهاجمها عدد من الأشخاص بشكل مفاجئ.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن نحو 30 شخصاً شاركوا في الاعتداء، بعدما خرج عدد منهم من أماكن مختلفة واتجهوا نحو المركبة وقاموا برشقها بحجارة كبيرة.
واضطر العسكريون إلى مغادرة المركبة والتحرك سيراً على الأقدام، قبل أن يتمكنوا من طلب النجدة عبر رقم الطوارئ 112، وهو ما أدى إلى تعبئة عناصر الشرطة والحرس المدني وفتح عملية ملاحقة للمشاركين في الهجوم.
وأسفرت العملية عن توقيف 12 شخصاً، جميعهم من الجنسية المغربية، فيما أصيب أحد العسكريين بجروح، كما لحقت أضرار مادية بالمركبة العسكرية.
وبعد إحالة الموقوفين على القضاء، قضت المحكمة المختصة بطرد 11 منهم ومنعهم من دخول الأراضي الخاضعة للسلطات الإسبانية لمدة خمس سنوات، بينما بقي وضع الموقوف الثاني عشر خاضعاً للمساطر القضائية المعمول بها.
الجيش الإسباني يطالب بمزيد من الحماية
وأعادت هذه التطورات ملف حماية العسكريين الإسبان في سبتة إلى واجهة النقاش، بعدما عبرت جمعية الجنود والبحارة الإسبان «ATME» عن قلقها من تكرار الاعتداءات التي يتعرض لها أفراد الجيش أثناء أداء مهامهم.
وطالبت الجمعية بتوفير وسائل حماية إضافية للعسكريين وتمكينهم من التجهيزات الضرورية للتعامل مع المواقف التي قد تتحول إلى أعمال عنف، مشيرة إلى أن الضغوط التي يواجهها الجنود لا تقتصر على الاعتداءات الجسدية، وإنما تشمل أيضاً الشتائم والاتهامات التي يتعرضون لها أثناء أداء مهامهم.
من جهته، دخل الحزب الشعبي الإسباني على خط الجدل، مطالباً بمنح العسكريين صفة رجال السلطة أثناء أداء مهامهم، بما يوفر لهم حماية قانونية وقضائية أكبر في حال تعرضهم لاعتداءات.
أزمة الهجرة تعود إلى الواجهة
وتأتي هذه الأحداث في سياق تداعيات موجة الدخول الجماعي للمهاجرين إلى سبتة نهاية يوليوز الماضي، بعدما دخل عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة قادمين من المغرب يومي 30 و31 يوليوز، قبل أن يغادر معظمهم خلال الأيام الموالية، بينما بقي آخرون داخل المدينة.
وتواجه السلطات الإسبانية تحدياً مزدوجاً يتمثل في تدبير الوضع الأمني والإنساني للمهاجرين الموجودين في سبتة، بالتوازي مع تسوية أوضاعهم القانونية واتخاذ الإجراءات المتعلقة بالعودة بالنسبة إلى من لا تتوفر لديهم شروط البقاء.
وعلى المستوى الإنساني، واصل الصليب الأحمر الإسباني، عصر السبت، توزيع المواد الغذائية على المهاجرين الذين ما زالوا في المدينة، وسط حضور أمني مكثف لتنظيم العملية.
وتسلم المستفيدون حصصهم الغذائية وغادروا منطقة «إل ترامبولين»، بينما لا يزال عدد من المهاجرين يقيم بالقرب من الشاطئ، حيث أعيد نصب ملاجئ بدائية مصنوعة في معظمها من القماش.
وتعكس هذه المشاهد استمرار الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشها بعض المهاجرين، خصوصاً أولئك الذين دخلوا المدينة سباحة، في وقت تحاول فيه السلطات المحلية تدبير وجودهم في انتظار تحديد أوضاعهم القانونية.
مدريد تطلب دعماً أوروبياً
وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية والإنسانية، تحاول السلطات الإسبانية تقليص عدد المهاجرين الموجودين في سبتة، وفق القواعد الأوروبية والقوانين المنظمة للهجرة واللجوء، وهو ما دفع مدريد إلى طلب دعم من مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وقال مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، إن إسبانيا طلبت مساعدة من وكالة حرس الحدود الأوروبية «فرونتكس»، ووكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول»، ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، بهدف تسريع عمليات فرز أوضاع المهاجرين الموجودين في المدينة.
وأوضح المسؤول الأوروبي أن المؤسسات المعنية تدرس الطلب الإسباني، مؤكداً أن القرار بشأنه سيتم اتخاذه بسرعة، في ظل اعتبار الوضع في سبتة تحدياً بالنسبة إلى السلطات الإسبانية والأجهزة الأوروبية المعنية بالهجرة.
وتتمثل الأولوية، وفق المقاربة التي عرضها المسؤول الأوروبي، في تسريع عودة الأشخاص الذين لا يتوفرون على أساس قانوني يسمح لهم بالبقاء.
احتجاجات وانقسام سياسي في مدريد
ولم تقتصر تداعيات أزمة الهجرة على الجانب الأمني والإنساني، بل امتدت إلى الشارع والسياسة، بعدما نظم عدد من سكان سبتة احتجاجات اعتراضاً على استمرار وجود المهاجرين، فيما شهدت احتجاجات الخميس مواجهات مع الشرطة، دفعت الحكومة الإسبانية إلى الدعوة إلى الهدوء خشية اتساع دائرة التوتر.
وفي مدريد، دخل الملف مرحلة جديدة من السجال السياسي، بعدما اتهم ألبرتو نونييث فييخو، زعيم الحزب الشعبي، الحكومة بتقديم روايات متناقضة بشأن ما سبق موجة الدخول الجماعي، مطالباً مديرة مركز الاستخبارات الوطني بتقديم توضيحات بشأن توقيت التحذيرات التي وجهتها الأجهزة الأمنية وما كانت تعرفه الحكومة قبل أحداث 30 يوليوز.
في المقابل، رد الحزب الاشتراكي بالتأكيد على أن مديرة مركز الاستخبارات الوطني لا يمكنها مناقشة هذه الملفات إلا أمام لجنة الأسرار الرسمية التابعة لمجلس النواب، وفق القواعد المعمول بها.
كما أعلن الحزب الاشتراكي عزمه المشاركة طرفاً في القضية المفتوحة أمام المحكمة الوطنية الإسبانية بشأن أحداث سبتة، في خطوة تعكس انتقال الملف من مجرد أزمة أمنية وهجرية إلى قضية سياسية وقضائية تتقاطع فيها المسؤوليات الداخلية مع الحسابات الأوروبية.
وهكذا، تجد سبتة نفسها أمام مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع أزمة الهجرة والظروف الإنسانية للمهاجرين، بينما يتواصل الجدل السياسي داخل إسبانيا حول كيفية التعامل مع تداعيات موجة الدخول الجماعي، في وقت تسعى فيه مدريد إلى الحصول على دعم أوروبي لاحتواء الوضع وتقليص عدد المهاجرين الموجودين في المدينة.

